موجاتُ حرٍّ غيرُ مسبوقة سجّلها العام المنصرم وتمتد أَمَاراتها إلى العام الحالي، اجتاحت العالم متجاوزةً الأرقام القياسية..
سِمة الجفاف لازمت الأراضي الخصبة والحراجية متأثرةً بموجات الحر تلك، وترتّب على ذلك زيادة معدلات الحرائق في الغابات الكثيفة، رئة الأرض..
هذا بالنسبة إلى نصف الكرة الشمالي..
أما بالنسبة لنصف الكرة الجنوبي فمظاهرُ الفيضانات المدمّرة خلال عام 2022 فقط، أودت بحياة الملايين فيما كانت السببَ وراءَ تهجير البعض وتهديد الأمن الغذائي لمن تبقّى..
يأتي هذا فيما تواصل درجات حرارةِ القُطبَين الجليديين الجنوبي والشمالي ارتفاعَها السريع بنسبةٍ مُضاعفةٍ عن تلك التي تُعاني منها باقي مناطق العالم.
ولا يخفى على أحدٍ تغيّر مَلامح المواسم الفصلية على مدار السنة إذ لم تعد علامات المناخ تتطابق والبدء الزمني الفعلي للفصل الموسمي المتوقع حلوله..
الدراسات المتقدمة تُظهر أن العالم بدأ يفقد الأنواعَ الحيوية بمعدلٍ أكبرَ بألف مرةٍ من أي وقتٍ مضى في التاريخ البشري المُدوّن، وأن هناك مليون نوعٍ من الكائنات الحية مُعرضةٌ لخطر الانقراض خلال العقود القليلة القادمة، مما يشكل تهديداً على التنوع الحيوي في البيئة.
طفرات المناخ التي ازدادت مظاهر حدتها ليست وليدةَ السنوات القليلة الماضية، فقد بدأت ملامحها تظهر منذ خمسينيات القرن الماضي لكن عواملها تصاعدت زمنياً بعد قيام الثورة الصناعية
فما الأسباب؟؟
يُفسَّر الأمرُ علمياً بارتفاع معدلات درجات حرارة الأرض بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري، التي تتحكم في حدوثها الغازاتُ الدفيئة القادرةُ على امتصاص الإشعاع الشمسي الحراري ذي الموجة الطويلة ـ الأشعة تحت الحمراء المنعكسة عن سطح الأرض ـ وإعادة إصدارِها لتبقى الحرارةُ حبيسةَ الغلاف الجوي إذ تَحُول تلك الغازات دون ضياعها إلى الفضاء الخارجي.
لكن هل وجود الغازات الدفيئة أمرٌ مُستحدثٌ في الغلاف الجوي؟
الإجابةُ هي لا، فلولا الغازات الدفيئة لما استطعنا العيشَ على سطح الأرض التي من دونها لكان متوسط درجة حرارة سطح الأرض حوالي (-18) درجة مئوية.
المشكلة تكمن في زيادة نسبة هذه الغازات في الغلاف الجوي المحيط بالأرض وهنالك إجماعٌ علميٌّ على أن الزيادة في نسبة الغازات الدفيئة في الهواء الجوي يعود إلى النشاط البشري، الذي يعدُّ المُسبب الأكبرَ للاحترار المُقاس منذ بداية الثورة الصناعية.
غاز ثاني أكسيد الكربون يعد أكثرَ هذه الغازات نسبةً في الجو والذي سجّل زيادةً مُطّردةً خلال السنوات الأخيرة، إذ سجّل عام 2019 زيادةً بنسبةِ خمسةٍ وأربعين بالمئة في الغلاف الجوي، وآخر مرةٍ كان فيها تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بهذه السويّة المرتفعة كانت منذ أكثرَ من ثلاثةِ ملايين سنة.
ارتفاع معدلات انبعاث غازات الاحتباس الحراري يمكن أن تَرفع متوسط درجة حرارة الأرض بمقدار درجتين مئويتين وهو الحدُّ الأقصى الذي حدّدته الهيئة الحكومية الدولية المَعنية بتغير المُناخ IPCC التابعةُ للأمم المتحدة لتجنّب المستويات الخطرة بحلول العام 2036.
بالنسبة لانبعاثات الكربون فتأتي من اعتماد الوقود الأحفوري بالأساس في مشاريع توليد الكهرباء والحرارة والصناعات التحويلية ووسائل النقل.
في الثمانينيات فقط، بلغت التبعاتُ الاقتصادية لإدارة وتصليح الكوارث المناخية ما يزيد عن30 ألف قتيلٍ ومليارِ دولار، وفي عقد التسعينيات أكثرَ من 50 مليار دولار، فيما يرى خبراءُ الاقتصاد أن التكلفة الحالية لا تُقدر إذا ما ارتفع متوسط درجة حرارة الأرض لدرجتين مئويتين.
الحالةُ الطارئة هذه بالتأكيد استدعت اتفاقياتٍ وجهوداً دوليةً للحد من آثارها، وخاصةً من قبل الدول الرأسمالية الكبرى التي تعدُ المُسبب الأساسي لهذه الظاهرة المدمرة التي باتت تهدد حياة الأجيال القادمة على سطح الأرض..
في عام 1990، اجتمعت الأمم المتحدة في لندن، وخلُصَت إلى أنَّ زيادة مستويات الغازات الدفيئة، رفعت درجة حرارة الأرض، لذا وقّعت الدولُ المشاركة في “قمّة الأرض” على اتفاقيةٍ إطاريةٍ للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة في مؤتمر ريو دي جانيرو في عام 1992.
في مؤتمر كيوتو 1997 تم تشكيل بروتوكولٍ لتفعيل اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ وإلزام البُلدان الصناعية بالحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، إلا أنها لم تدخل حيّز التنفيذ إلّا في عام 2015.
اتفاقية باريس جاءت بعد مفاوضاتٍ كثيرةٍ عُقدت أثناءَ مؤتمر الأمم المتحدة الحادي والعشرين للتغير المناخي في باريس عام 2015، وهدفت الاتفاقية إلى احتواء الاحتباس الحراري العالمي لأقلَّ من درجتنين مئويتين بل والسعي لحدّه في درجة مئوية ونصف الدرجة.
ألزمت اتفاقيةُ باريس الأطرافَ الموقعة على دفع 100 مليار دولارٍ أميركي كحدٍّ أدنى سنويًّا تُخصّص كمساعداتٍ مناخية للدول النامية، ورغم الإلزام القانوني للاتفاقية إلا أن أغلب التقارير والاستطلاعات تشير إلى أنّه منذ 2015 لم تفِ دولٌ من بينها الولايات المتحدة بوعودها سوى بـ80 مليار دولار فقط، وهناك تقديراتٌ تشير إلى أقلَّ من ذلك.
بالتأكيد أن الجيل الجديدَ القادمَ هو الضحيةُ الكُبرى لممارسات اليوم..
غريتا ثونبيرغ الشابة السويدية البالغة من العمر الآن 19 عاماً أدركت منذ عدة سنواتٍ خطورةَ الوضع المُتربص بجيلها.
لعبت غريتا دوراً كبيراً في تنظيم الاحتجاجات أمام المؤتمرات والاجتماعات الاقتصادية في مختلف مناطق العالم، مُحذرةً من تداعيات الصناعة على المناخ مستنكرةً التجاهل الدولي حيال المعضلة التي تهدد جيلها.
مِن مُحتجةٍ وحيدةٍ في الشوارع أصبحت غريتا قائدةً للحَراك المُناخي لتكون صوتَ جيلها الداعي إلى إنقاذ الكوكب.
استراتيجيةٌ واحدةٌ يضعها الخبراءُ للتعامل والحد من تفاقم أزمة المناخ وذلك إذا ما اتفق الجميع على أولوية حل هذه المشكلة واتّباع مبدأ تقليل استهلاك الطاقة من مبدأ التكيف مع الوضع الراهن والتوجه نحو تنفيذ مشاريع الطاقة البديلة لتحقيق التنمية المستدامة، إضافةً إلى سنِّ القوانين الرادعة لزيادة انبعاثات الكربون وفرض الرسوم على منتجيها.
الحروب في العصر الحالي تُعدُّ إلى جانب الصناعة واحدةً من أكثرَ العوامل التي تهدد الاتزان البيئي في العالم، وإذا ما خلصنا إلى أن البيئة تشمل كل ما يتعلق بالوسط المحيط والعناصر الحية وغير الحية ونُظُم العلاقات المتبادلة بينها، نفهم بأن البشر جزءٌ أساسيٌّ من عناصرها، الذي قد يؤثر فيها بطريقةٍ تغيّر من طبيعتها وديناميكيتها وبالتالي استتبابها وتوازنها..
إليكم أبرزُ الأمثلة الحديثة عن تأثير الحروب:
لنبدأ أولاً مع الحرب اليمنية وأزمة البحر الأحمر:
بسبب حالة الحرب التي تعيشُها اليمن منذ 2014، تعمُّ حالة الفلتان الأمني والفوضى أرجاءَ البلاد وصولاً إلى الجانب المَعني بالطاقة والثروة الباطنية.
أطرافُ النزاع نَسَت أو تناست لسنواتٍ أمرَ ناقلة النفط صافر العالقةِ دون صيانةٍ قَبَالة الساحل اليمني منذ 2015 والتي تحمل حوالي 1.14 مليون برميل من النفط الخام الخفيف، وهو ما يعادل أربعةَ أضعافِ كمية النفط التي تسرّبت من “إيكسون فالديز” في ألاسكا عام 1989، ذلك يكفي لجعل صافر خامسَ أكبرَ تسريبٍ نفطي في التاريخ.
نتيجةَ انعدام أعمال الصيانة قد يؤدّي التآكلُ المُتزايد إلى انفجار الناقلة، وهو خطرٍ دقت ناقوسه الأمم المتحدة وحذّرت بأن الأمر يحتاج إلى عملية إنقاذٍ طارئة.
في حال حدوث تسريبٍ نفطيٍّ في صافر سيتسبب الأمرُ بكارثةٍ بيئية تؤدي إلى تدمير الشِعاب المرجانية وأشجار المنغروف الساحلية وغيرها من الحياة البحرية في البحر الأحمر، وتعريض ملايين البشر للتلوث الهوائي.
أثرُ التسرّب على المجتمعات الساحلية سيكون مُدمّراً أيضاً، إذ سيفقدُ مئاتُ آلاف العاملين في مجال الصيد مصادرَ رزقهم بين ليلةٍ وضحاها، وسيستغرق الأمر أكثرَ من 25 عامًا لاسترداد مخزون الأسماك.
الأمم المتحدة قدّرت أن تَكلفةَ تنظيف تسرّب النفط من صافر ستكون 20 مليارَ دولارٍ على الأقل، ما عدا العواقب الاقتصادية الأوسع.
ثانياً: نموذج حرب الاحتلال التركي على مناطق شمال وشرق سوريا
منذ 2018 مارس الاحتلال التركي وفصائلُهُ الإرهابية جرائمَ شتّى بحق البيئة وعناصرِها في المناطق التي احتلها من الشمال السوري بدءاً من حرب التهجير والتغيير الديمغرافي في عفرين عام 2018 وصولاً إلى حرب المياه بعد احتلاله مناطقَ الشريط الحدودي من سريه كانييه/ رأس العين إلى كري سبي /تل أبيض عام 2019.
عفرين المحتلة من قبل النظام التركي وفصائله الإرهابية تُعتبر منطقةَ الغطاءِ النباتي الأكبر في محافظة حلب شمالي سوريا، بَنى فيها المُحتلُّ من أجل أهدافٍ سياسيةٍ أكبرَ مشاريع المستوطنات التي أعدّها من أجل إحداث التغيير الديمغرافي في المنطقة على حساب المساحات الحِراجية.
عشرات التقارير أفادت أن الفصائلَ الإرهابية قامت بعمليات قطع الأشجار المثمرة والحراجية في عفرين المحتلة بعد أن سلبت السكانَ الأصليين ممتلكاتهم، ولطالما امتازت عفرين بمزارع الزيتون التي يقدّرُها البعض بنحو 22 مليون شجرة، كانت تنتج نحو 270 ألف طنٍّ من الزيتون، وهو ما يعادل نحو 20 في المئة من مزارع الزيتون في عموم سورية.
مع احتلال النظام التركي للشريط الحدودي من رأس العين إلى تل أبيض في 2019 تفاقمت حرب المياه التي خاضها بدايةً بخفض حصة سوريا من منسوب نهر الفرات إلى استخدام محطة مياه علوك التي تُغذي مناطقَ الحسكة وأهاليها بالماء كورقة ضغطٍ لتهجير السكان بقطع الماء عنهم.
وبالرغم من أن دجلة والفرات تُعتبر أنهاراً دوليةً وَفقاً للقانون الدولي إلا أن تركيا تستثمر في مياه النهرَين ممّا تسبب بكوارثَ بيئيةٍ تعاني منها كلٌّ من سوريا والعراق إذ انعكست استثمارات تركيا في النهرين سلباً على توليد الكهرباء من سد الفرات في سوريا، وتَضرّر القطاع الزراعي بسبب حالة الجفاف التي اعترت ضفافَ النهرَين في كلٍّ من سوريا والعراق.
أخيراً وليس آخراً، الأثرُ المُناخي الضارُّ لحرب النفوذ الروسية الأوكرانية:
يرى خبراءُ مُناخٍ أن الحرب الروسية الأوكرانية ستؤثر كثيراً على الالتزام بالاتفاقيات الدولية للحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري التي تسعى إلى تثبيت الاحترار العالمي عند عتبة درجة مئوية ونصف الدرجة حتى عام2100.
ففي وقتٍ يشهد العالم أزماتٍ اقتصاديةً وأزمةَ طاقة.. قد تدفع الحرب بالعديد من الدول إلى الاعتماد على الوقود الأحفوري لمدةٍ أطول، مما قد يؤثر على تحقيق الهدف المنشود بتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري بنسبة 55% عالمياً.
منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية تغيّرت المؤشرات وتغيرت معها التوقعات نحو، زيادة استخدام الوقود الأحفوري بنسبة 14% لتعويض النقص في إمدادات الطاقة، وسط الجدلِ الذي يَطَالُ الصادرات الروسية منها، إذ تُعتبر روسيا أكبرَ مُصدّرٍ للغاز الطبيعي وثاني أكبر مُصدر لمشتقات البترول وثالث أكبر مُصدر للفحم عالمياً.
المخاوفُ بشأن الصادرات الروسية دفعت العديدَ من الدول إلى توقيع عقودٍ بديلةٍ طويلةِ الأمد للوقود الأحفوري.
في نهاية المَطاف خبراءُ الاقتصاد المناخي يجدون أن الحل الأمثل الذي ينبغي أن تقتدي به سياسات الدول للتعامل مع أزمة المناخ هي توجيه الأرباح والاستثمارات لصالح خطط حماية البيئة والاقتصاد الأخضر، الذي يجد فيه رأسُ المال بدايةً لانهيار نظامه، والذي إن استمر سيطيح بالحياة على الأرض..
فمتى يستيقظ العالم ويدرك خطورةَ الموقف؟ وهل يتمكن من إشعال ثورة بيئية قبل فوات الأوان بإمكانها إحداثُ مفعولٍ عكسيٍّ لما أفرزته الثورةُ الصناعية منذ أكثرَ من ثلاثة قرون؟
