على خلفية التحولات الجيوسياسية والأزمات المركبة في أفريقيا، يبرز إقليم القرن الأفريقي كركيزة أساسية للتوازن الإستراتيجي، تتوسطه إثيوبيا بثقلها الديمغرافي والسياسي، حيث يُعدُّ استقرارها الداخلي شرطاً لحفظ أمن الجوار، بينما يشكل أيُّ اهتزازٍ في بنيتها شرارةً يتمدد خطرها ليطال سلامة المنطقة بأكملها.
ومن قلب هذه التوترات المتصاعدة، يرتكز جوهر الأزمة الإثيوبية وفي مقدمتها ملف إقليم “تيغراي “على صراع حاد حول هوية الدولة؛ إذ يتصادم مشروع “الفيدرالية الإثنية” الذي أرسته “جبهة تيغراي” عقوداً، مع مشروع المركزية الوطنية الذي يتبناه آبي أحمد تحت شعار “إثيوبيا الموحدة”.
الخلافات الميدانية في إثيوبيا تتجسد في صراع ثلاثي الأبعاد يُغذيه تباينُ المواقف والخيارات السياسية والأمنية؛ فبينما يلتف إقليم “تيغراي” حول قواته المسلحة وقيادته المحلية بولاءٍ محلي يراه ضامناً لحكمه الذاتي، تصرُّ الحكومة الفيدرالية في “أديس أبابا” على بسط سيادتها المركزية وحصر السلاح بيد المؤسسة الرسمية للدولة.
وعلى النمط ذاته، تحوَّل موقف إقليم “أمهرة” والجماعات المسلحة المحسوبة عليه تحت اسم “فانو”، من مساندة الحكومة الفيدرالية إلى معارضتها؛ رفضاً لتفكيك سلاحها، ورفضاً لتخلي الحكومة عن الأراضي المتنازع عليها مع إقليم تيغراي. هذا التقاطع بين الأطراف الثلاثة عرقل تنفيذ بنود “اتفاق بريتوريا” للسلام، وجدّد مخاطر الانزلاق نحو مواجهة عسكرية أخرى.
في ظل هذه التعقيدات الميدانية، تتجاوز الأزمة حدود إثيوبيا لتشابك مصالح دول الجوار؛ إذ انحازت إريتريا لأديس أبابا ضد خصمها التاريخي “تيغراي”، بينما اتجه السودان والصومال للتحالف مع مصر لإحداث توازنٍ ضد النفوذ الإثيوبي، ومواجهة أزمات الحدود وتدفقات اللاجئين. ومع ارتباط الصراع بملفات “سد النهضة” والملاحة في البحر الأحمر، تحولت المنطقة إلى ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي.
هذا الواقعُ يضعُ الأطرافَ الساعية لإنهاء الأزمة وفي مقدمتها الاتحاد الأفريقي ومنظمة “إيقاد” أمام تحدٍّ مباشر لإثبات فاعلية وساطتهما السياسية. غيرَ أن الوصول إلى حلٍّ سلميٍّ دائم يظلُّ مرهوناً بمرونة القوى المحلية وتقديمها تنازلاتٍ حقيقية، إلى جانب وقف التدخلات الخارجية التي تُغذّي النزاع.
وفي عمق هذا النزاع، تنحدر الأوضاع المعيشية للسكان لتجسد أبعاد الأزمة الإنسانية على أرض الواقع؛ إذ أدت المواجهات المتكررة بين الأطراف المتنازعة وتراجعُ حركة الإنتاج إلى موجات نزوح جماعية، وكارثة متفاقمة تهدد الملايين بفقدان الأمن الغذائي وتدهور الخدمات الأساسية.
هذه الأوضاع المأساوية تظل شاهداً حياً على أن الشعوب هي الضحيّة الأولى للنزاعات السياسية؛ ما يجعل إنهاء الأزمة في إثيوبيا بوجه عام، وحسم ملف “تيغراي” على وجه الخصوص، ضرورة إنسانية وسياسية قصوى، لمنع انزلاق القرن الأفريقي بأكمله نحو سيناريوهات بالغة الخطورة.
