بعد شدٍّ وجذب، ومفاوضات ماراثونية استمرت لأسابيع، أبصرت الحكومة اللبنانية الجديدة النور أخيرًا، وسط أجواء من الترقب والآمال، حيث جاء التشكيل بعد جهود كبيرة ومحاولات مضنية لتجاوز الخلافات السياسية، التي لطالما عرقلت المسار الحكومي في البلاد، ويأمل كثير من اللبنانيين أن تكون هذه الحكومة بداية الخروج من النفق المظلم، أو عنق الزجاجة، كما يصف مراقبون، وأن لا تكون مجرد محطة جديدة في سلسلة الأزمات اللبنانية.
ومع إعلان الحكومة الجديدة التي لاقت ترحيبا عربياً ودولياً، تتجه الأنظار إلى مدى قدرتها على التصدي للأزمات المتفاقمة، بدءًا من الانهيار الاقتصادي والمالي، مرورًا بالأزمات الاجتماعية والمعيشية، والحاجة الماسّة للإصلاحات المطلوبة دوليًا ومحليًا، وصولاً إلى معضلة وجود إسرائيل في جنوب البلاد ورفضها الانسحاب، رغم الدعوات اللبنانية والدولية.
يعاني لبنان من أزمات متشابكة تشمل الانهيار الاقتصادي، حيث تراجعت قيمة الليرة اللبنانية بشكل حاد، وارتفعت معدلات البطالة والفقر، فيما لا تزال الأزمة المصرفية تعصف بالبلاد، بالإضافة إلى الفساد وسوء الإدارة، إذ تعتبر المنظومة الإدارية والمالية اللبنانية من بين الأكثر تعقيدًا، مما يعرقل أي جهود إصلاحية، ناهيك عن الأزمة مع المجتمع الدولي، فلا يزال لبنان بحاجة إلى دعم خارجي، لكن المساعدات الدولية مشروطة بإصلاحات لم تُنفَّذ حتى الآن.
ويمثل تشكيل الحكومة خطوة إيجابية من حيث إنهاء حالة الفراغ السياسي، لكنها لن تكون بحسب باحثين في الشأن الدولي، حلًّا للأزمات العميقة، فنجاح الحكومة الجديدة يعتمد على تنفيذ إصلاحات جذرية تطال القطاع المصرفي، وإعادة هيكلة الديون، وتحسين الخدمات الأساسية، والعمل على استعادة ثقة المواطنين والمجتمع الدولي من خلال سياسات شفافة وخطة إنقاذ اقتصادية واقعية، وتجنب التجاذبات السياسية التي قد تعيد البلاد إلى نقطة الصفر.

أمّا الوجود الإسرائيلي في الجنوب، فيعد من أبرز التحديات التي تواجه الحكومة اللبنانية الجديدة، حيث من المتوقع أن تسعى الحكومة إلى تفعيل الجهود الدبلوماسية عبر الأمم المتحدة لحث تل أبيب على احترام القرار 1701، الذي ينصّ على انسحابها الكامل من الأراضي اللبنانية، والتنسيق مع قوات اليونيفيل المنتشرة في الجنوب لتعزيز الاستقرار، وضمان عدم خرق إسرائيل للخط الأزرق، والعمل على تعزيز انتشار الجيش اللبناني في كافة المناطق الجنوبية.
وبالرغم من أن تشكيل الحكومة الجديدة قد يمنح لبنان فرصة للخروج من أزمته، إلا أن الأمر يتوقف على مدى جدية هذه الحكومة في اتخاذ خطوات حاسمة لإنقاذ البلاد. فبدون إصلاحات حقيقية، قد يبقى لبنان عالقًا في عنق الزجاجة، وسط أزمات سياسية واقتصادية لا نهاية لها، وستكون الأيام القادمة اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على إحداث التغيير المطلوب.
