رأس العين.. الانتقام من مدينة العيش المشترك

أينما حلوا يحل معهم الظلم والخراب والدمار، أي أن تعيش في القرن الحادي والعشرين ويأتي جيش معزز بالمرتزقة على شاكلة ما صورته قصص القرون الوسطى ليس بالأمر الخيالي، جيش يغزو بلداً آخر ويفتك بأهلها السالمين على نهج المغول والتتار، يهجر، يدمر، يسلب وحتى يغتصب دون أن يردعه أحد.

يشهر سكينه ويردد بالذبح جئناكم لينشر مقطعه المصور على الشبكة الزرقاء وينشر معه الرعب بين السكان الآمنين، هذا أحد المشاهد التي بثها أحد إرهابيي الفصائل المدعومة من النظام التركي من بين آلاف المشاهد التي توثق جرائمهم الوحشية إضافة إلى سرقة ونهب وحرق ممتلكات الكرد في سوريا وباقي المكونات الأخرى التي رفضت الاحتلال التركي.

فعلى مرأى ومسمع من العالم يحتل النظام التركي أراضيَ ومدناً من الشمال السوري، يهجّر سكانها الأصليين ويرفع أعلامه ويغيّر تسمياتها من الكردية والعربية إلى التركية وكأنها ولايات تركية، من عفرين غرباً وحتى مدينة رأس العين “سري كانيه” شرقاً.

في منطقة بلغت فيها النزاعات والقتل على أساس الهويات السمة البارزة، كانت مدينة رأس العين المحتلة في الشمال السوري تمثل أحد النماذج النادرة للعيش المشترك التي تعرفها المنطقة، أن تجمع كل هذا الخليط المتنوع في بقعة جغرافية واحدة قد يكون ضرباً من الخيال، ترى فيها الكردي والعربي والسرياني والآشوري والأرمني والشيشاني والشركسي والتركماني، ترى فيها المسلم والمسيحي والإيزيدي والعلوي وغيرهم.

إنها قصة تعبر عن حاجة الإنسان للعيش مع الآخر حتى وإن اختلف معه في العرق والدين والطائفة والعشيرة، هذا الواقع لم يرق للنظام التركي، فهو لا يعترف سوى بقومية واحدة ويسعى لصهر جميع القوميات في بوتقة قوميته، فكيف إذ كان هذا النموذج المتعدد على حدود دولته.

انتقام النظام التركي من مدينة العيش المشترك استمر لتسع سنوات بدايته كانت في الثامن من تشرين الثاني 2012 عندما فتح البوابة الحدودية التي تربط مدينة رأس العين مع الحدود التركية أمام عشرات الفصائل المتطرفة من بينها جبهة النصرة تحت عنوان إسقاط النظام السوري رغم التواجد الرمزي للقوات الحكومية آنذاك، وأول ما أقدمت عليه تلك الفصائل المتطرفة بعد تدمير الممتلكات العامة ونهبها اغتيال رئيس مجلس الشعب لمدينة رأس العين، عابد خليل، كما ارتكبت تحت مسميات براقة مئات الانتهاكات حينها إلى أن حررت وحدات حماية الشعب المدينة.

لكن معاناة سكان رأس العين لم تنتهِ بتحرير مدينتهم من جبهة النصرة، فهذه المرة سلط النظام التركي عليهم إرهابيي “داعش” الذين توافدوا من مختلف دول العالم إلى مطار إسطنبول ليتم الزج بهم في المناطق الحدودية من الشمال السوري، أكثر من 3 سنوات عانى أهالي المدينة من خطر تنظيم “داعش” الذي كان يهدد وجودهم بشكل يومي، فالتنظيم المتطرف كان على بعد عدة كيلومترات من المدينة تارة يرسل المفخخات نحو حواجز قوى الأمن الداخلي وتارة يشن هجماته المفاجئة على النقاط العسكرية لمقاتلي وحدات حماية الشعب لتكون المعانة من نصيب عائلة في المدينة فقدت أحد أبنائها المقاتلين في اشتباكات مع عناصر التنظيم.

ومع الهزائم التي تلقاها تنظيم “داعش” في العديد من المناطق السورية على أيدي مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية ونهاية خلافته المزعومة في الـ 23 من آذار/مارس 2019 في الباغوز، تنفس أهالي تلك المناطق الصعداء، لكن جحيماً من نوع آخر كان في انتظار مدينة رأس العين عندما ألقت الطائرات الحربية التركية بحمم نيرانها على السكان الآمنين في التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر 2019 ليبدأ فصل جديد من المعانة كان أوله الهجرة الجماعية نحو المجهول، أما من وقع في أسر الجيش التركي والفصائل الإرهابية التابعة له فتباهت تلك الفصائل بنشر مقاطع وصور الإعدام الميداني والتنكيل بجثثهم، حتى أنها ساومت على الجثث مقابل دفع مبالغ مادية.

رأس العين أو “سري كانيه” بالكردية، التي كانت يوماً ما تمثل نموذجاً للتعايش للمشترك بين القوميات والأديان والطوائف هذه الأيام باتت خالية من سكانها الأصليين فالاحتلال التركي يوطن بشكل يومي العشرات من عوائل الفصائل الإرهابية لتغيير التركيبة السكانية للمدينة، حتى أنه أقدم على تغيير معالمها من خلال فرضه رموزًا غريبة لا تمت لواقعها بأي صلة.

الكاتب: آلان عثمان

المصدر: قناة اليوم

قد يعجبك ايضا