خلف لافتاتِ “نَفِدَ المخزون”، تنطفئُ محركاتُ السياراتِ وتشتعلُ أزمةُ البحثِ عن سرابِ الانفراج. في سوريا اليوم، تخطى شحُّ المشتقات النفطية حدود التوصيف الاعتيادي، ليتحول إلى شلل علني يستهلك وقت المواطن في طوابير انتظار ممتدة بلا أفق، ويعيد ترتيب أولويات العائلات المثقلة بالهموم المعيشية.
جغرافيا الفقد تفرض أحكامها القاسية بلا هوادة؛ فبينما تعيش مدينة دير الزور وأريافها شرقي البلاد غياباً كاملاً لمادة المازوت ونقصاً حاداً في البنزين، تتشابه الملامح في محافظات حلب، واللاذقية، وحماة، ودرعا، وطرطوس، وإدلب. شح التوريدات فرض توقفاً متتالياً لمحطات التوزيع، وحرم القطاعات الحيوية من وقود الحركة والإنتاج.
ولم تقف الضغوط عند عتبة الندرة فحسب؛ بل برز كابوس “الوقود المغشوش” كعامل قلق إضافي فجّر موجة من الشكاوى بين أصحاب المركبات. الوقود المخالف للمواصفات بات يتسبب بأعطال ميكانيكية بالغة في المحركات، ليجد المواطن نفسه مضطراً لتحمل تكاليف صيانة وإصلاح باهظة، في وقت لا تحتمل فيه المصاريف اليومية أي أعباء جديدة.
ومع اقتراب فصل الشتاء، تتجه الهواجس الكبرى نحو تفاصيل المعيشة؛ فصعوبة تأمين مازوت التدفئة لا تهدد دفء البيوت فحسب، بل قد تشل حركة الجرارات في الأراضي الزراعية وحتى شاحنات نقل البضائع، مما ينذر بقفزات سعرية جديدة تلتهم القدرة الشرائية للأسر، ولا سيما العائلات محدودة الدخل التي تواجه خيارات معقدة لتأمين أساسياتها.
وبين تطمينات رسمية معلقة على تفريغ شحنات جديدة في الموانئ لإنعاش المحطات، وبين واقع ميداني يضغط بقوة على مجريات الحياة اليومية؛ يواصل السوريون دفعَ أثمان الأزمات المتكررة من وقتِهم وأعصابِهم، في دوامة بحثٍ يومية لا تنتهي عن أدنى مقومات العيش.
