تنهضُ بلاد الرافدين، مجدداً، على حافة الذاكرة المجروحة والريح العاتية، حيث تتقاطع خطى التاريخ مع جغرافيا الدمِ والأمل. فعلى رقعةٍ تكتنز ميراث الأساطير ووجع الحروب، تتسارعُ خيوط المشهد السياسي والأمني لتنسج واقعاً معقداً ومحفوفاً بالهواجس.
لم يكن الانسحاب العسكري الأمريكي وقوات التحالف من العراق مجردَ بندٍ في اتفاقية عابرة أو قرارٍ استراتيجي قابل للتعديل، بل كان زلزالاً جيوسياسياً أفرغَ مساحاتٍ شاسعة من التوازن الهش، وتُركت خلفه هضابٌ وبوادي مفتوحة على شتى الاحتمالات.
فإذا كان حلُّ الجيش العراقي إبّان إسقاطِ نظامِ صدام حسين عام ألفين وثلاثة قد شكَّل، في نظر كثيرين، بيئةً مواتية لصعود التنظيمات المتشددة، فإنَّ انسحاب القوات الأمريكية والتحالف الدولي اليوم يثيرُ مخاوف من أن يتحوَّل الفراغ الأمني إلى فرصةٍ جديدة لإعادة ترتيب صفوف تلك التنظيمات.
بارزاني يحذّر من عودة داعش بعد الانسحاب الأمريكي من العراق
في ظلِّ هذا الفراغ الميداني والسياسي، حذّر رئيس إقليم كردستان السابق مسعود بارزاني، من تداعيات الانسحاب الأمريكي واكتمال مهمة التحالف الدولي في العراق، معرباً عن خشيته من تكرار سيناريو عام 2011، الذي أعقبه صعود تنظيم داعش وسيطرته على مساحات واسعة من البلاد عام 2014.
وزير عراقي سابق: ارتفع عدد عناصر داعش في سوريا منذ سقوط الأسد إلى 10 آلاف
لكن صدى هذه المخاوف لم يتوقف عند إقليم كردستان، بل تردّد في بغداد أيضاً، حيث حذّر وزير الداخلية والمالية العراقي الأسبق، باقر جبر الزبيدي، من ظهور ما وصفه بـ”مشروع إرهابي جديد” في المنطقة، كاشفاً، بحسب تقديراته، عن ارتفاع أعداد عناصر داعش في سوريا من نحو ألفي عنصر إلى قرابة عشرة آلاف منذ سقوط نظام الأسد عام 2024.
وبحسبِ رؤية الزبيدي، فإن “مشروع الإرهاب الجديد سيبدأ بصبغةٍ وشكل معروف”، حيث يبدأ “بالمطالبة بالحقوق، ثم يتحول إلى رفع رايات دينية، ثم إلى تنظيم مسلّح”.
فبعد الانسحاب الأمريكي آنذاك، بدأت الموازين تختلُّ لصالح التنظيمات المتشددة، التي انتقلت من فصائلَ متعددة إلى مراحل أكثر تطوراً وتنظيماً، وصولاً إلى إعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروفة بـ”داعش”.
ومن هنا، تبرزُ المخاوف من أن يؤدي الانسحاب الأخير إلى خلقِ بيئة تسمح للتنظيم بإعادة إنتاج شبكاته، مستفيداً من أي فراغٍ أمني أو سياسي في العراق وسوريا.
الحرب الأمريكية الإيرانية والاستقطاب.. بيئة جديدة لإعادة إنتاج التنظيم
وتزدادُ هذه المخاوف في ظلِّ اتساع دائرة التوترات الإقليمية، واستمرار الحرب الإيرانية الأمريكية، وتصاعد الاستقطاب الطائفي والإيديولوجي، وهي عواملٌ قد تمنحُ داعش فرصةً لإعادة تنشيط خطابه واستقطاب الفئات المتأثرة بالصراع والتهميش.
ولا تقتصر تداعيات هذا المشهد على العراق وحده، فاستقرار بغداد والموصل والأنبار يرتبط بصورةٍ مباشرة بأمن الإقليم، في ظلِّ تشابك المصالح والتدخلات وتنازع النفوذ بين قوى كبرى وإقليمية.
وعلى المستوى الداخلي، يواجه العراق امتحاناً مزدوجاً، كترصين الجبهة السياسية في مواجهة التجاذبات والمحاصصة، ورفع الكفاءة القتالية والاستخباراتية للقوات الأمنية، لمنع التنظيمات المتشددة من إعادة ترتيب صفوفها.
هكذا يبدو العراق اليوم واقفاً على حبالٍ مشدودة بين رغبةٍ جامحة في الاستقرار وبناء الدولة، ورياحٍ عاتية تسعى لجرّه إلى مربعات الفوضى الأولى، ما يجعل المرحلة الراهنة مفصلاً تاريخياً حاسماً، ليسَ للعراق وحده، بل لمستقبل المنطقة برمتها.
