بعد أكثرَ من عقدين على سقوط نظام صدام حسين، وسنواتٍ من العمليات العسكرية لمواجهة تنظيم داعش الإرهابي، تعيد الولايات المتحدة ترتيبَ انتشارها العسكري في المنطقة، بالتزامن مع استمرارها في تقديم أشكالٍ من الدعم الأمني والاستخباري، والتدريب للقوات العراقية.
وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” أعلنت رسمياً اختتامَ الولايات المتحدة وشركائها في التحالف الدولي، مهمةَ “العزم الصلب” في العراق، مؤكدةً استمرار تقديم الدعم الموجه للشركاء العراقيين، بما يشمل التدريب والمساندة الاستخبارية.
هذا التحول في طبيعة الوجود الأمريكي يطرح تساؤلاتٍ بشأن المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل تعدد القوى المؤثرة في المشهد العراقي، وتداخل الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
باحثون في الشأن العراقي يرون أن تراجع الوجودِ العسكري الأمريكي، قد يفتح مساحةً أوسعَ أمام قوًى إقليميةٍ لتعزيز نفوذها في العراق، وفي مقدمتها إيران، التي ترتبط بعلاقاتٍ وثيقةٍ مع عدد من الفصائل والقوى السياسية العراقية، فيما قد تجدُ تركيا بدورها فرصةً لإعادة ترتيب مصالحها، ولا سيما في الملفات الأمنية والاقتصادية.
وفي إقليم كردستان، يتزامن الانسحاب الأمريكي مع تحولاتٍ داخلية، أبرزها خطواتُ توحيد قوات البيشمركة، ودمجُها ضمن مظلة وزارة البيشمركة، في وقتٍ تتزايد فيه المخاوف بشأن تداعيات المرحلة المقبلة، ليس على المستوى العسكري فحسب، بل أيضًا على طبيعة العلاقة بين أربيل وبغداد.
وبينما تنظر بغداد إلى أن إنهاء وجود التحالف يعتبر خطوةً باتجاه السيادة الوطنية، يرى محللون أن تداعيات الانسحاب قد تكون أكثرَ تعقيدًا، خصوصاً بالنسبة إلى إقليم كردستان، مع احتمالات انعكاسها على الوضع الاقتصادي والأمني، في حين يذهب آخرون إلى أن ما يجري لا يمثل خروجًا أمريكيًّا كاملاً من العراق، بقدر ما يعكس انتقالاً من الوجود العسكري المباشر، إلى شكلٍ آخرَ من التعاون.
ومع دخول العراق هذه المرحلة الجديدة، تبقى الأسئلة مفتوحةً حول قدرة المؤسسات الأمنية العراقية، على التعامل مع التحديات المقبلة، ومدى تأثير إعادة توزيعِ النفوذ الإقليمي والدولي، خصوصاً مع استمرار خطر تنظيم داعش الإرهابي، رغم تراجع قدراته مقارنةً بسنوات الحرب السابقة.
وبين رهانات تعزيز السيادة ومخاوف الفراغ الأمني، تترقب بغداد وأربيل مآلاتِ المرحلة المقبلة، فيما يأملُ العراقيون أن يقودَ انتهاء المهمةِ العسكرية للتحالف، إلى ترسيخ الأمن والاستقرار، بعيداً عن عودة الإرهاب أو تحول البلاد إلى ساحةٍ جديدة للتنافس الإقليمي والدولي.
