لم تعدْ مدينةُ قامشلي في شمال شرق سوريا، تواجهُ تحدياتٍ خِدميةً فحسب، بل باتت تعيشُ أزمةً بيئية خانقة، فبعد مشكلةِ النفاياتِ والمياه، يعاني سكانُ المدينة اليومَ من الروائحِ الثقيلة، التي تختلط فيها أبخرةُ الديزل، المتصاعدةُ من مولدات الكهرباء المنتشرةِ بين الأحياء، فضلاً عن الازدحام المروري، إضافةً إلى الحرّاقات النفطية، لتبدو المدينةُ محاصرةً بسماءٍ ملوثةٍ تؤثر على صحة الإنسانِ وبيئته، المزيد من التفاصيل في التقرير التالي
منذ آخر استهدافٍ جويٍّ تركي لمحطتَي تحويل الكهرباء الشماليتين في مدينة قامشلي، وخروجهما كليًا عن الخدمة في الخامس عشر من كانون الثاني/يناير 2024، فقدت المدينة شبكة الكهرباء المركزية، ما أجبر سكانها على الاعتماد بشكل شبه كامل على المولدات الخاصة لتأمين الطاقة. وقبل الاستهداف، كانت التغذية بالتيار الكهربائي تخضع لتقنين يصل إلى عشرين ساعة يوميًا، وكان الاعتماد على المولدات قائمًا، لكنه كان أقل عددًا وأكثر تنظيمًا، مقارنةً بما هو عليه اليوم.
ولا تقتصر الأزمة على تأمين الكهرباء، بل تمتد إلى الهواء الذي يتنفسه سكان المدينة يوميًا. فمولدات الديزل المنتشرة بين الأحياء تعمل لساعات طويلة لتعويض النقص في الكهرباء، مطلقةً كمياتٍ من الدخان والغازات الناتجة عن احتراق الوقود.
ويقول سكان المدينة، إنَّ رائحةَ الدخان أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتهم اليومية، ولا سيما خلال ساعات المساء، حيث يصعب أحيانًا فتح النوافذ أو الجلوس في المساحات المفتوحة. ومع غياب منظومةٍ منتظمة لرصد جودة الهواء أو الحد من مصادر الانبعاثات، تتزايد المخاوف من الآثار الصحية المحتملة للتعرض المستمر للهواء الملوث، خاصةً لدى الأطفال وكبار السن والمصابين بأمراض الجهاز التنفسي.
وفضلًا عن اختناق المدينة من الداخل بعوادم المركبات ودخان المولدات الكهربائية، فإنها مطوّقة أيضًا بأحزمةٍ من الحرّاقات النفطية التي تنفث غازاتها السامة في الهواء، وتُسرّب ملوثاتها إلى المياه والتربة.
ويرى مختصون أن معالجة هذه الأزمة تتطلب أكثر من حلولٍ إسعافية للحد من الانبعاثات، إذ تستوجب وضعَ خططٍ بيئية مستدامة، وتعزيز الرقابة البيئية، والعمل على توفير بدائلَ أكثر أمانًا لإنتاج الطاقة.
وبينما تستمر الحياة اليومية في المدينة، يبقى الأمل معلقًا على إجراءاتٍ قادرة على وقف هذا التدهور قبل أن تصبحَ آثاره أكثر عمقًا على الإنسان والبيئة. فالقضيةُ لم تعد تتعلق بالمشهد العام للمدينة فحسب، بل بجودة الحياة وصحة آلاف السكان الذين يواجهون يوميًا آثار أزمةٍ بيئية تتسع عامًا بعد عام.
