حربُ إيران وأمريكا ومن خلفها إسرائيل… صراعٌ من شأنه أن يغيّر موازين القوى والتحالفات وملامح الشرق الأوسط، حيث باتت دولُ الإقليم، ولا سيما دول الخليج العربية، مُلزَمةً بتحديد استراتيجياتٍ جديدة وفقًا للتطورات، ولتجنب المخاطر المحتملة من قوةٍ إقليميةٍ تتشدد في موقفها، وقوةٍ عظمى تخشى خسارة بعض النفوذ وضياع الهيبة.
دولُ الخليج مضطرةٌ اليومَ لتحديد خياراتها، بعد تعرضها لهجماتٍ مكثفة من إيران ومجموعات مسلحة في العراق، أدت لخسائرَ بشريةٍ وفي مجال الطاقة، فيما برّرت طهران الضربات بأنها استهدافٌ لقواعدَ أمريكية، استُخدمت في شن هجماتٍ عليها.
وسبق أنّ كشفت شبكة “إن بي سي” أن إيران تسببت في أضرار بمليارات الدولارات للأصول والقواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج.
ونقلت الشبكة عن مصادر مطلعة أن المدرجات وأنظمة الرادار المتطورة وعشرات الطائرات والمستودعات ومقرات القيادة وحظائر الطائرات والبنية التحتية للاتصالات عبر الأقمار الصناعية تعرضت لضربات إيرانية.
البلدان العربية في الخليج تبدو ورغم احتفاظها بحق الرد عسكريًّا على الهجمات، عالقةً في منعطفٍ خطير، بين واجب الحفاظ على سيادتها وقرارها الوطني، وبين مخاطر الانخراط في الصراع بين واشنطن وطهران، الذي يهدد مصالحها وأمنها القومي.
ويرى أستاذ القانون الدولي والباحث في العلاقات الدولية د. عامر فاخوري، أنّ “دول الخليج تتعامل مع الأزمة بدرجة عالية جدا من الحكمة، ولم تتجه لتصعيد عشوائي أو تتصرف بردود فعل انفعالية… هي لا تقبل المساس بأمنها ولا المساس بسيادتها”.
وقال فاخوري في تصريحات لليوم، إنّ دول الخليج تقول بكل وضوح إنها مع التهدئة والدبلوماسية والحل السياسي لكنها ترفض أنّ يتحول أمن الخليج إلى ورقة مساومة في المفاوضات بين واشنطن وطهران.
وأضاف، “أي تفاوض إذا كان يريد أن ينجح فعلا لا يكفي أن يتحدث عن الملف النووي… أمن الخليج أيضا مهم وهو جزء لا يتجزأ من المعادلة”.
ورغم وجهات النظر المختلفة بشأن استراتيجية الدول الخليجية، حول مسألة العلاقات والاتفاقات الأمنية مع الولايات المتحدة، سيما القواعد، إضافةً لمشاريع التنمية المستقبلية، يؤكد مراقبون أنّ هذا الملف يبقى مسألةً سياديةً لهذه الدول، بما يضمن حقها في ترتيب أمنها الوطني.
وبشأن القواعد الأمريكية أو الاتفاقيات الدفاعية في دول الخليج، أكد فاخوري، أن هذا الملف “قرار سيادي للدولة المضيفة”، موضحا أن قرار أي دولة خليجية بإرادتها الحرة عقد اتفاقية دفاعية أو أمنية مع واشنطن أو أي دولة في العالم، يدخل ضمن حقها السيادي في ترتيب أمنها الوطني وعلاقتها الخارجية.
وفيما يتعلق بمشاريع التنمية، بيّن فاخوري، أنه “لا يمكن أن نتحدث عن تنمية حقيقية بدون وجود أمن ولا يمكن نتحدث عن استثمار دون استقرار… دول الخليج في السنوات الماضية لا تكتفي فقط بالاعتماد على الوجود الأمريكي هي تقوم بتنويع الشراكات وتنويع الاتفاقيات والقدرات الدفاعية الوطنية وتطوير الدفاعات الجوية والصاروخية”.
وأدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى اضطرابات شديدة في أسواق النفط العالمية، خاصة بعد إغلاق مضيق هرمز بشكل شبه تام وتوقف تصدير النفط والغاز من الخليج، أو حتى من إيران بعد حصار الموانئ الإيرانية.
وذكرت تقارير أنّ الدول المنتجة للنفط في الخليج تكبدت خسائر بمليارات الدولارات، فيما بدأت دول بالبحث عن طرق بديلة، مما انعكس سلبا على الاقتصاد الداخلي لهذه الدول.
واقعٌ صعب تعيشه دول الخليج العربية والشرق الأوسط بشكل عام، مع استمرار حرب الحليفتين الولايات المتحدة وإسرائيل، على إيران والجماعات التابعة لها، فإمّا الاستمرارُ في الحياد العسكري رغم احتمالية تعرضها لضرباتٍ أشد، أو الانخراط مع واشنطن ضد طهران للدفاع عن سيادتها، وهذا ما قد يُدخِل المنطقةَ في صراعاتٍ أوسع لا تُبقي ولا تَذَر.
