في مثل هذا اليوم من كل عام، تعود الذاكرة لتستحضر واحدة من أكثر الصفحات ظلمة في تاريخ الإنسانية، فالربيع حينها تغيرت ألوانه، واختفى عبق الزهور مع انتشار رائحة الموت، وضحكات الأطفال غابت عن محياهم، وبات مصير آلاف العائلات في غياهب المجهول.
اليوم تمر الذكرى السنوية الـ مئة وإحدى عشرة على الإبادة الجماعية للأرمن، تلك الجريمة التي ارتكبت بحق شعب كامل على يد الدولة العثمانية خلال أهوال الحرب العالمية الأولى.

إنها ليست مجرد أرقام في كتب التاريخ، بل حكايات بشر اقتلعوا من جذورهم، وأجبروا على السير في طرق الموت، تاركين خلفهم بيوتاً كانت يوماً عامرة بالحياة.
كان المسيحيون الأرمن إحدى الجماعات العرقية المتميزة في الدولة العثمانية. وفي أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، شكل بعض الأرمن منظمات سياسية ساعين إلى مزيد من الحكم الذاتي، مما أثار شكوك الدولة العثمانية حول مدى ولاء الأرمن داخل حدودها.
وفي ربيع عام ألف وتسعمئة وتسعة، تحولت المظاهرات الأرمنية المطالبة بالحكم الذاتي الى أحداث عنف، فقد قتل الجنود العثمانيون والقوات غير النظامية والمدنيون قرابة عشرين ألف أرمني في مدينة أضنة وحولها.
وتحت ذريعة خطر تهديد الحلفاء في شبه جزيرة غاليبولي ذات الأهمية الاستراتيجية، اعتقلت السلطات العثمانية 240 من القادة الأرمن في القسطنطينية في 24 أبريل 1915، لتبدأ بعدها عمليات التهجير القسري التي استهدفت الأرمن، حيث صدرت أوامر بنقلهم من قراهم ومدنهم إلى مناطق صحراوية قاحلة، في مسيرات طويلة تحولت إلى ما يشبه أحكام بالإعدام البطيء.

شهادات الناجين، التي تناقلتها الأجيال، ترسم صورة لا تحتمل من القسوة. رجال أعدموا أمام عائلاتهم، نساء تعرضن للاغتصاب والاستعباد، وأطفال تركوا ليواجهوا الموت جوعاً وعطشاً، فيما أجبر الكثير منهم على اعتناق الإسلام.
كانت القوافل البشرية تساق عبر الصحارى بلا ماء ولا طعام، وتحت حرارة قاتلة، في مشهد يجسد أقسى أشكال المعاناة الإنسانية. كثيرون لم يصلوا إلى وجهتهم، بل سقطوا على الطرقات، تركت أجسادهم شاهدة على جريمة لم تمح آثارها حتى اليوم.
لم تكن هذه المأساة نتيجة فوضى الحرب فحسب، بل سياسة ممنهجة هدفت إلى اقتلاع شعب من وجوده. حيث تشير تقديرات تاريخية إلى مقتل ما يقارب مليون ونصف المليون أرمني، في واحدة من أولى الإبادات الجماعية في القرن العشرين، والتي أصبحت لاحقاً مرجعاً لفهم جرائم مماثلة حدثت في أماكن أخرى من العالم.
ويقول الأرمن إن الإبادة الجماعية الأرمنية شملت خطوات الإبادة الجماعية التي خططت لها الأنظمة المختلفة للدولة العثمانية وتركيا في الفترة الواقعة من 1894 إلى 1923، والتي نفذت بشكل مستمر ضد الشعب الأرمني، للحرمان من وطنه.
والمذابح الجماعية وفق قولهم، تهدف إلى إبادة الأرمن، والتطهير العرقي، وتدمير التراث التاريخي والثقافي الأرمني، وكذلك إنكار الإبادة الجماعية، والتهرب من المسؤولية، وكل محاولات إسكات أو تبرير الجرائم المرتكبة ونتائجها كاستمرار جريمة وتشجيع على ارتكاب إبادة جماعية جديدة.

ورغم مرور أكثر من قرن، لا تزال القضية حاضرة بقوة في الوعي العالمي، خصوصاً مع تصاعد الدعوات للاعتراف الرسمي بهذه الإبادة. العديد من الدول والبرلمانات حول العالم اعترفت بها كجريمة إبادة جماعية، معتبرة أن الاعتراف ليس فقط واجباً أخلاقياً، بل خطوة ضرورية لتحقيق العدالة التاريخية ومنع تكرار مثل هذه الجرائم.
لكن في المقابل، تواصل تركيا، الوريثة السياسية للدولة العثمانية، رفضها القاطع لاستخدام مصطلح الإبادة الجماعية. وتصف الأحداث بأنها مآس مشتركة وقعت خلال الحرب، في محاولة لإعادة صياغة الرواية التاريخية. هذا الرفض لم يقتصر على الخطاب الداخلي، بل امتدَّ إلى ممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية على دول عدة لمنعها من الاعتراف الرسمي.
في أكثر من مناسبة، شهد العالم توترات دبلوماسية بين تركيا ودول قررت الاعتراف بالإبادة، حيث لوحت أنقرة بعقوبات سياسية واقتصادية، بل واستدعت سفراءها احتجاجاً على تلك القرارات. هذا السلوك يعكس حساسية القضية بالنسبة لتركيا، التي ترى في الاعتراف تهديداً لصورتها الدولية وربما باباً لمطالبات قانونية وتعويضات.
وكانت الأوروغواي أول من اعترفت بالإبادة الجماعية الأرمنية عام 1965، تلتها فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، وهولندا، وبلجيكا، وبولندا، وليتوانيا، وسلوفاكيا، والسويد، وسويسرا، واليونان، وقبرص، ولبنان، وفنزويلا، وكندا، والتشيك، والنمسا، ولوكسمبورغ.
في عام 2021، اعترف الرئيس الأمريكي آنذاك جو بايدن رسمياً بالإبادة الجماعية الأرمنية، مستخدماً مصطلح “الإبادة الجماعية” مرتين في خطابه، وأعلن أيضاً أن 24 نيسان أبريل هو يوم ذكرى الإبادة الجماعية الأرمنية.
ومع ذلك، لم تتوقف الجهود الأرمنية، سواء داخل أرمينيا أو في الشتات، لإبقاء القضية حية. في كل عام، تنظم فعاليات إحياء الذكرى، حيث يتجمع الآلاف لإضاءة الشموع ووضع الزهور على النصب التذكارية، في رسالة واضحة بأن الذاكرة لا تموت، وأن الألم لا يسقط بالتقادم.
الجيل الجديد من الأرمن، رغم أنه لم يعش تلك الأحداث، يحمل إرثها في وجدانه. قصص الأجداد، الصور القديمة، والوثائق التاريخية، كلها تشكل جزءاً من هوية جماعية قائمة على التذكر والمطالبة بالاعتراف. بالنسبة لهم، القضية ليست فقط تاريخاً، بل عدالة مؤجلة.
وفي خضم هذا الجدل، يبرز سؤال جوهري، هل يمكن للمصالحة أن تتحقق دون اعتراف؟ كثير من الباحثين يرون أن مواجهة الماضي بشجاعة هي الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل خال من الأحقاد. فالتاريخ، مهما حاول البعض طمسه أو إعادة تفسيره، يبقى حاضراً في ذاكرة الشعوب.
إن إحياء الذكرى السنوية الحادية عشرة بعد المئة للإبادة الجماعية للأرمن ليس مجرد استذكار لمأساة، بل دعوة للتأمل في قيمة الإنسان وحقه في الحياة والكرامة. هو تذكير بأن الصمت على الجرائم قد يكون شريكاً فيها، وأن العدالة، مهما تأخرت، تظلُّ مطلباً إنسانياً لا يسقط.
في النهاية، تبقى هذه الذكرى صرخة في وجه النسيان.. صرخة تقول إن الألم الذي لم يعترف به، يستمر في النزيف. وبين ذاكرة الأرمن وإصرارهم، وبين الإنكار والضغوط السياسية، تستمر قصة لم تكتب نهايتها بعد.
