رغم مرور أشهر على اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية الانتقالية، لا تزال مسارات التنفيذ تسير ببطءٍ يثير تساؤلات واسعة حول مستقبل الاتفاق، وما إذا كان سيشكل مدخلاً حقيقياً نحو الاستقرار، أم أنه سيتحول إلى محطة جديدة في مسار التعثر السياسي السوري.
فمع توقيع الاتفاق، ارتفعت آمال السوريين بإمكانية طي صفحة طويلة من الخلافات، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة تقوم على الشراكة السياسية والتعددية. غير أن الوقائع الميدانية كشفت أن الطريق ما يزال معقداً، وأن تنفيذ بنود الاتفاق لا يسير بالوتيرة ذاتها، خصوصاً في الملفات المجتمعية والحقوقية.
في المقابل، تبدو البنود العسكرية والأمنية أكثر تقدماً، حيث أبدت قوات سوريا الديمقراطية مرونة واضحة في ملف الاندماج العسكري، وكذلك أظهرت قوى الأمن الداخلي “الأسايش” انسيابية في الملف الأمني. إلا أن ملفات أخرى لا تزال تراوح مكانها، أبرزها التعيينات في قطاعي التعليم والقضاء، إلى جانب تأخر تسوية أوضاع المؤسسات المدنية التابعة للإدارة الذاتية.
وفي هذا السياق، يبرز ملف الاعتراف بالشهادات التعليمية والتعلم باللغة الأم كأحد أبرز نقاط الخلاف، إذ يخشى كثيرون من أن يؤدي تأجيل هذه القضايا إلى خلق حالة من عدم اليقين لدى جيل كامل من الطلاب، فضلاً عن إعادة إنتاج نموذج الدولة الأحادية على حساب التعددية الثقافية التي شكلت جوهر الاتفاق.
كما تتصاعد المخاوف من أن يتحول دمج المؤسسات المدنية إلى عملية استلام أحادي، بدلاً من إعادة هيكلة مشتركة، وهو ما يعزز الانطباع بأن المقاربة المعتمدة تميل نحو الاستيعاب المركزي، لا الشراكة السياسية.
وتزداد هذه المخاوف مع تعيين مديري مديريات من خارج بنية الإدارة الذاتية، وهو ما يُفسر من قبل مراقبين على أنه إحلال إداري، لا خطوة نحو بناء شراكة حقيقية.
وفي السياق ذاته، تبرز ملفات أخرى لا تقل أهمية، منها اندماج وحدات حماية المرأة في المؤسسة العسكرية، وملف الإفراج عن الأسرى، حيث تحدث مفرج عنهم عن معاملة قاسية خلال فترة الاعتقال.
كما تبقى قضية عودة المهجرين، خاصة من عفرين وسري كانيه رأس العين وكري سبي تل أبيض، من أبرز الملفات العالقة، رغم عودة أكثر من ألف عائلة إلى عفرين، فيما لا يزال آلاف المهجرين ينتظرون العودة واستعادة ممتلكاتهم.
ويرى مراقبون أن التباطؤ في تنفيذ هذه الملفات لا يرتبط فقط بعوائق تقنية، بل يعكس أيضاً تعقيدات سياسية وضغوطاً إقليمية تسعى للتأثير على مسار الاتفاق. وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد المخاوف من أن يؤدي اختلال التوازن بين المسارين الأمني والمجتمعي إلى إضعاف الثقة، وتكريس توترات كامنة قد تهدد استقرار المنطقة.
ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الكبرى، وعلى رأسها صياغة دستور جديد لسوريا، تبدو أهمية تنفيذ الاتفاق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فنجاحه قد يشكل نموذجاً لإدارة التنوع السوري، بينما تعثره قد يعيد إنتاج أسباب الصراع.
وبين آمال الشراكة ومخاوف الإقصاء، يبقى السؤال مفتوحاً هل يتحول اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني إلى نقطة انطلاق نحو استقرار مستدام، أم أنه سيبقى رهينة الحسابات السياسية والتجاذبات الإقليمية؟
