اجتياحٌ إسرائيلي لجنوب لبنان وقصفٌ في بيروت ونزوحٌ جماعي وتصاعد التوترات الطائفية.. هذا هو عام 2026، لكن بالنسبة لمن عاشوا الحربَ الأهلية اللبنانية قبل خمسة عقود، يبدو المشهد وكأنه سبعينيات القرن الماضي من جديد.
لبنانيون قاتلوا في الحرب الأهلية التي دارت رحاها، بين 1975 و1990 أو وثّقوها كصحفيين، والتي قتل فيها نحو 150 ألف شخص، قالوا لوكالة لرويترز إنهم يشعرون بأصداء التوتر والعنف الطائفي الذي شهدوه آنذاك، ويتخوفون من تجدد القتال بين اللبنانيين.
تلك الحرب الأهلية التي اندلعت عندما تحولت التوترات الطائفية والاقتصادية إلى اشتباكات بين مسلحين مسيحيين ومقاتلين فلسطينيين، قبل أن تتسع رقعة الصراع لاحقا لتشمل طوائف لبنانية أخرى وتجذب أطرافا إقليمية ودولية.
في ذلك الوقت، نزح نحو مليون شخص من ديارهم، وهو رقم تجاوزته وتيرة النزوح في الصراع الحالي إذ بلغ عدد النازحين 1.2 مليون. وتحولت بيروت إلى ساحة قتال واجتاحت إسرائيل لبنان عام 1978، واحتلت شريطا من جنوب لبنان فيما يشبه إلى حد كبير المنطقة التي أعادت احتلالها في الآونة الأخيرة. وفي الفترة من 1976 إلى 2005، نشرت سوريا قوات في لبنان، وهي فكرة طرحت على دمشق العام الماضي.
أما الحرب الأخيرة التي اندلعت في الثاني من مارس آذار الماضي بين إسرائيل وحزب الله فقد أدت إلى تعميق العداء بين الجماعة المدعومة من إيران ومعارضيها في الداخل.
وبحسب الشهود على الحرب الأهلية في لبنان فإن الانقسامات الداخلية التي أشعلت الحرب الأهلية في ذلك الوقت لم تحل قط محذرا اللبنانيين من الانقلاب على بعضهم، مشيرين أن الانقسامات بين الشباب اللبناني في الوقت الحاضر تنذر بنشوب صراع داخلي جديد.
وبحسب الشهود فإن قصف الثامن من أبريل نيسان الماضي، عندما أسفرت ضربات إسرائيلية خاطفة في جميع أنحاء لبنان عن مقتل أكثر من 300 شخص “أعاد إلى الأذهان مشاهد الحرب الأهلية بأكملها في ثوان معدودة”.
وحمّل بعض اللبنانيين حزب الله مسؤولية جر لبنان إلى صراع جديد عندما أطلق الحزب صواريخ على إسرائيل في الثاني من مارس آذار دعما لإيران، كما حمل البعض الآخر الشيعة ككل، الذين يشكون الحاضنة الشعبية لحزب الله، المسؤولية أيضًا.
في الوقت نفسه، انتقد الشيعة، الذين تحملوا وطأة الحروب مع إسرائيل ويرون في حزب الله ملاذهم الوحيد، الدولة لتقصيرها في حمايتهم.
ورغم الإعلان عن وقف مؤقت لإطلاق النار فإن الاتفاق يترك قضايا جوهرية دون حل. فهو لا يلزم القوات الإسرائيلية بالانسحاب من لبنان، ولا يطالب صراحة بنزع سلاح حزب الله. كما أنه يمهد الطريق أمام بيروت لإجراء محادثات سلام مع إسرائيل، وهو ما يلقى معارضة شديدة من بعض اللبنانيين من مختلف الطوائف، كما أنه يزيد من حدة الخلاف بين الحكومة وحزب الله، الذي يعارض بشدة هذه المفاوضات.
