في نهاية القرن التاسع عشر، تم تقسيم الوطن الكردي بين القوتين العثمانية والفارسية، ليواجِهَ بذلك الكفاحُ الكردي من أجل الحرية عقباتٍ هائلة.
أعاق الوضعُ الجديد مقاومةَ إعادة صياغة تعريف الهوية الوطنية الكردية، وحَدَّ من اللغة الكردية في سياق الكلام.
خلال تلك الظروف الحساسة، لم تكن للكرد مكانةٌ وصحافةٌ قادرةٌ على إيصال صوتهم للعالم.
وبوجود هذا الإدراك، بدأ المثقفُ الكردي، الأميرُ مقداد مدحت بدرخان، في عام ألفٍ وثمانمئةٍ وثمانيةٍ وتسعين طباعةَ صحيفةِ كردستان في القاهرة.
استخدمت الصحافةُ الكردية اللغةَ الكردية بشكلٍ منهجيٍّ لأول مرة، من خلال صحيفة كردستان.
كان لهذا تأثيرٌ إيجابي على تطور اللغة، وأصبحت أساسًا لتوحيد معيار الكتابة، الأمرُ الذي ساهم، جنبًا إلى جنب مع المقالات والقصائد والكتابات السياسية، في تطوير اللغة والوعي الوطني.

تصدت صحيفةُ كردستان لسياسات الصهر وأظهرت للعالم أن الشعب الكردي يمتلك تاريخًا وثقافًة وأدبًا خاصًّا به.
بالإضافة إلى ذلك، أسهمت في نشر القضايا المشتركة، وتسليط الضوء على الضغوط السياسية، والانتفاضات من أجل الحرية، وروّجت لأفكار السلام.
لاحقًا، في السادس والعشرين من تشرين الأول عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثلاثين، حصل الأمير جلادت بدرخان في سوريا غرب كردستان، على ترخيصٍ لإصدار مجلة “هاوار”، ليتم نشرُ العددِ الأول منها في الخامس عشر من أيار عام ألفٍ وتسعمئةٍ واثنين وثلاثين.
وبعد إصدار سبعةٍ وخمسين عددًا، توقّفت المجلة عن النشر في الخامس عشر من آب عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثلاثةٍ وأربعين.
في الأول من نيسان عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثلاثةٍ وأربعين، أطلق الأميرُ جلادت بدرخان في العاصمة السورية دمشق، مجلة “روناهي” الشهرية باللغة الكردية، واستمر صدورُها حتى آذار عام ألفٍ وتسعمئةٍ وخمسةٍ وأربعين، حيث توقّفت بعد نشر ثمانيةٍ وعشرين عددًا.
في الثالث من أيار عامَ ألفٍ وتسعمئةٍ وثلاثةٍ وأربعين، أطلق الدكتور كاميران بدرخان مجلةَ “روجا نو” في بيروت، عاصمةِ لبنان، ونُشرت باللغاتِ الكردية والعربية والفارسية. وفيما بعد، لم تُصدر عائلة بدرخان سوى أربعة أعدادٍ فقط من مجلة “ستيرك”.
وعقب الإعلان عن تأسيسِ أول حزبٍ كردي في سوريا باسم “الحزب الديمقراطي الكردي السوري”، صدرت مجلةُ “الصوت الكردي” التابعةُ للحزب باللغة العربية، وظل نشاطُها مقتصرًا على الشؤون الحزبية فقط.
وفي تلك الفترة، أصدر المثقفون والأدباء الكرد، عددًا من المجلات باللغتين الكردية والعربية، من بينها: “كلاويج”، و”ستيرك”، و”كولستان”، و”روج”، إلى جانب مجلاتٍ أخرى.
ومن الستينيات حتى الثمانينيات، ورغم كثرةِ النشر، لم تتمكن الصحافةُ الكردية من تجاوز إطار الانتماءِ الحزبي.
مع ظهور حركة حرية كردستان، أي منذُ ثمانينيات القرن العشرين، دخلت الصحافةُ الكردية في غرب كردستان وسوريا مرحلةً جديدة.
وفي عام ألفٍ وتسعمئةٍ واثنين وثمانين، صدرت مجلةُ “برخدان” في خارج البلاد.
في عام ألفٍ وتسعمئةٍ وستةٍ وثمانين، صدرت مجلةُ “صوت كردستان” باللغة العربية ولعبت دورًا رئيسيًّا في تعزيز الوعي الوطني والثوري في غرب كردستان.
إحدى أهم الخطوات في تاريخ الصحافة الكردية أتت في الخامس عشر من أيار عامَ ألفٍ وتسعمئةٍ وخمسةٍ وتسعين، حيث بدأت أولُ قناةٍ كردية، قناة Med TV، البثَّ باللغة الكردية.
كانت قناة Med TV تحظى بالمشاهدةِ في أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط.
وبذلك، تمَّ تجاوُزُ الحدود الجغرافية بين الكرد، ما أسهمَ في نشوء نهضةٍ جديدة في تاريخ الصحافة الكردية.
في سوريا، ومع انطلاق “ربيع الشعوب”، برزت الحاجةُ إلى تطوير الصحافة الكردية، لتصبحَ لغةَ ثورة غرب كردستان، وليصل صوتُ الكفاح إلى جميع أنحاء العالم.
كانت الصحافة من بين المجالات التي شهدت تغيًّرا وتحوّلاً مستمرًا، فإلى جانب التطورات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، شهدت الصحافةُ في غرب كردستان نموًّا ملحوظًا يومًا بعد يوم.
ومع ثورة غرب كردستان، أصبحت الصحافةُ أكثرَ تنظيمًا، حيث أنشأت مؤسساتِها وهيئاتها الخاصة.
انطلقت الخطوةُ الأولى في صحافة غرب كردستان، في السادس عشر من تشرين الأول عام ألفين وأحد عشر، مع صدور صحيفة “روناهي”، التي لا تزالُ مستمرةً حتى يومنا هذا.
وجاء إطلاقُ قناة “روناهي” الفضائية، خطوةً بارزةً أخرى في مسار ثورة الإعلام الحر، لتشكّلَ قفزةً مثيرةً للاهتمام ذات تأثيرٍ كبير.
انتشر صوتُ ثورة غرب كردستان عبر قناة “روناهي” في جميع أنحاء العالم، لتصبحَ بذلك حِصنًا دفاعيًّا ضد مُختلِف أنواع الهجمات.
لم تقتصر هذه القفزةُ على صحيفة “روناهي” وقناة “روناهي” الفضائية فحسب، بل شملت أيضًا انطلاق البثِّ الإذاعي في المنطقة.
ولأول مرة، بدأت إذاعةُ “جودي” بثّها بلغاتٍ مختلفة.
وفي وقتٍ لاحق، تم افتتاحُ العديد من المحطات الإذاعية، التي تبثُّ بلغاتِ مكونات شمال وشرق سوريا.
في الأول من آذار عام ألفين وثلاثة عشر، شرعت وكالةُ أنباء “هاوار” (ANHA) رسميًّا في أنشطتها وبرامجها المُخطَّطِ لها مُسبقًا، باللغتين الكردية والعربية.
وسُرعان ما وسّعت وكالةُ “هاوار” شبكة مراسليها، لتصبحَ المصدرَ الرسمي للأخبار في جميع أنحاء شمال وشرق سوريا.
وفي هذا السياق، استشهد ستةُ صحفيين من وكالة “هاوار”، أثناء تأديتهم لعملهم.
واليوم، تم تأسيسُ عددٍ من الوكالات الإخبارية في المنطقة.
بالتزامن مع هذه التطورات، تُنشَر في المنطقةِ عدةُ مجلات، من بينها “الشرق الأوسط الديمقراطي”، التي تصدرُ باللغة العربية منذ عام ألفين واثنين وحتى اليوم.
وكما قادت النساءُ الثورة، شكّلت النساءُ الكرديات أيضًا ركيزةً أساسيةً في النضال من أجل الصحافة الحرة.
فقد حملن أقلامَهُنَّ وكاميراتهن بشجاعة، وطرحن قضايا المرأة في صدارة المشهد، وجعلنَ أصواتَهُنَّ مسموعةً في جميع المجالات.
اليوم، تأسست في غرب كردستان، محطاتٌ إذاعيةٌ ومجلاتٌ وقنوات تلفزيونية ووكالاتٌ مُستقلة، تُدار بالكامل من قبل النساء.
وفي باقي المؤسسات الإعلامية الأخرى، تتجاوز نسبةُ الصحفيات ستين في المئة.
إلى جانب ذلك، هناك عددٌ كبيرٌ من الشباب والشابات من المنطقة، يعملون مع المؤسسات والمنظمات الإعلامية العربية والدولية.
واليوم، لا يزالُ الإعلامُ الحرُّ صامدًا في مواجهة جميع أشكال هجمات الإبادة والتدخلات المشوِّهَةِ للحقائق.
وتولّى الدورَ الرئيسي في توثيق الانتهاكات والحفاظ على الهوية الوطنية.
ويضطلع الإعلام الحر بالتزاماته الأخلاقية والوطنية في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها كردستان، ومصير الكرد والشعوب الأخرى.
ورغم العقبات، لم يتخلَّ عن دوره الاستراتيجي، وحافظ على الذاكرة الإنسانيةِ حيةً، لضمان عدم تكرار الألم والمعاناة في كردستان.
هكذا يختلف الصحفيون الكرد عن نظرائهم في جميع أنحاء العالم؛ فهم يقفون في وجه الاستعمار، ويسعون لنقلِ حقيقةِ وثقافةِ وتاريخ شعبهم، ويعتبرون أنفسهم مسؤولين ومُكلَّفين بهذه المهمة.
وفي هذا الإطار، ضحّى واحدٌ وثلاثون صحفيًّا وصحفيةً في غرب كردستان بحياتهم، دفاعًا عن الحقيقة التي آمنوا بها، وحافظوا على راية الحقيقة مرفوعةً عاليًا.
كما في غرب كردستان، تطوّر الإعلام الحر في جميع أنحاء كردستان تدريجيًّا، حتى أصبح صوتًا يمثّل شعوب كردستان بأكملها.
وكان هذا ممكنًا بفضل إرث المناضلين الذين كرّسوا حياتهم من أجل الحرية، ومهّدوا الطريق للإعلام الحر، ليصبح أداةً لنقل الحقيقة والوعي الوطني.
