لم تكن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع النظام الإيراني ومنحه مهلة خمسة أيام لتحقيق ذلك، سوى تذكير بأن السياسة لا تعرف ثوابت مطلقة؛ لا يوجد خصم دائم ولا صديق دائم، بل مصالح تتحرك وفق حسابات اللحظة. الذين فوجئوا بانقلاب خطاب ترامب من التهديد والوعيد إلى لغة التفاهم، يعيشون خارج منطق السياسة حيث البراغماتية هي القاعدة، والصفقات هي اللغة الوحيدة التي تُفهم في ساحات التنافس الدولي.
من حق أي رئيس أميركي، أيًا كان حزبه أو توجهه، أن يسعى إلى اتفاق يُخرج بلاده من مستنقع مواجهة مفتوحة في منطقة ملتهبة. لكن الخطأ القاتل يكمن في النظر إلى هذه التفاهمات على أنها مفتاح لاستقرار إقليمي شامل، أو أنها قادرة على تغيير طبيعة النظام الإيراني. تلك مغالطة سيدفع ثمنها مستقبلاً من يجاور إيران على ضفاف الخليج، لا من يفاوضها من وراء المحيطات. فالمعادلة هنا مختلفة: واشنطن تبحث عن تخفيف الأعباء، بينما دول المنطقة محكومة بواقع جغرافي وأمني لا فكاك منه.
ما تملكه هذه الدول من معرفة متراكمة عن سلوك طهران خلال أكثر من أربعة عقود يجعلها تنظر إلى أي اتفاق أميركي – إيراني بنظرة مختلفة تماما عن النظرة التي قد تتبناها إدارة أميركية ترى في الاتفاق مجرد ورقة في لعبة أكبر. فالجغرافيا لا تقبل التبديل، والجار الذي تفصلنا عنه بضعة كيلومترات من المياه لا يمكن مقارنته بالمسافة الآمنة التي تفصل واشنطن عن طهران. الجار الإيراني، الذي أثبت عبر عقود أن طموحه لا يقف عند حدوده المرسومة، يمتلك مشروعا إقليميا قائما على احتضان وكلاء وأذرع مسلحة من لبنان إلى اليمن مرورا بالعراق وسوريا، ويعمل على ترسيخ نفوذ يمتد إلى العمق الخليجي عبر أدوات لا تعترف بحدود الدول ولا بمفاهيم السيادة بالمعنى التقليدي.
المشكلة الجوهرية التي تواجه عواصم دول المنطقة في كل جولة من الجولات التفاوضية بين واشنطن وطهران هي أن أي اتفاق، مهما كانت بنوده محدودة، يُحدث تحولاً في المعادلة الدولية للضغط على إيران، دون أن يترافق بالضرورة مع تحول مواز في سلوك النظام الإيراني تجاه جيرانه. بل إن التجربة علمتنا أن فترات الهدوء النسبي في الملف النووي كانت غالبا مرحلة إعادة تجميع للقوى الإيرانية، وتحررا من قيود المراقبة الدولية، وتدفقا للموارد التي يعاد توجيهها لتعزيز شبكة الوكلاء وتطوير القدرات الصاروخية الباليستية. هكذا تحولت طهران في العقود الأخيرة من دولة تواجه عزلة دولية إلى كيان إقليمي قادر على تعطيل استقرار أكثر من بلد عربي، مستفيدة من كل تراخٍ ومن كل ثغرة في موقف بلدان المنطقة أو الموقف الدولي.
من هنا، فإن التعامل مع هذا النظام بمنطق الثقة، أو انتظار تبدل طباعه، ليس مجرد تفاؤل غير محسوب، بل هو رهان على جزء أصيل من بنيته وسلوكه الإستراتيجي ثبت أنه لا يتغير. فالنظام الإيراني لا يرى في الاتفاقات الدولية غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق أهدافه الكبرى، التي تظل قائمة على توسيع دائرة النفوذ وتثبيت وجوده في محيطه العربي. وما يزيد الطين بلة أن أي اتفاق جديد، سواء كان نوويا أو اقتصاديا أو أمنيا، قد لا يؤدي إلى تهدئة حقيقية بقدر ما قد يحول طهران إلى كيان أكثر خطورة مما كان عليه قبل الاتفاق، تماما كما يتحول الدب الجريح إلى كائن أكثر شراسة حين يشعر بأن القيود التي كانت تكبله تتراخى واحدا تلو الآخر.
هذه القراءة الباردة للواقع هي التي تفرض على دول الخليج إعادة النظر في أولوياتها الدفاعية والأمنية، بعيداً عن منطق ردود الفعل الآنية التي أثبتت الأيام أنها لا تكفي لمواجهة تحدٍ بهذا الحجم والاستمرارية. فوجود جار على بعد كيلومترات قليلة يمتلك ترسانة صاروخية متطورة، وبرنامجا باليستيا يتطور باستمرار، وشبكة نفوذ تمتد إلى داخل دول المنطقة عبر أدوات سياسية وأمنية وطائفية، يجعل الاستعداد الدائم واجبا لا يقبل التراخي. وفي هذا السياق لم يعد تخصيص جزء معتبر من ميزانيات هذه الدول لتعزيز القدرات العسكرية والدفاعية خيارا يمكن تأجيله أو التفاوض حول نسبته، بل تحول إلى ضرورة تفرضها طبيعة التهديد وليس مجرد رغبة في التسلح.
لكن الردع لا يقوم على التسليح وحده، بل يتطلب منظومة سياسية وتنظيمية متكاملة تجعل من القوة العسكرية عنصرا ضمن إستراتيجية أوسع. وهنا تبرز دعوة الإمارات جيرانها إلى التآزر والتنسيق المشترك باعتبارها خيارا إستراتيجيّا حكيما، يقرأ بعمق أن التفكك وتباين المواقف هما البيئة المثالية التي تستغلها إيران لتعزيز نفوذها وخلق فجوات تستفيد منها في مشروعها التوسعي. فالتآزر بين دول المنطقة ليس شعارا دبلوماسيّا يردد في المناسبات، بل هو صيغة عملية لبناء جبهة متماسكة قادرة على توحيد المواقف في المحافل الدولية، وتنسيق السياسات الدفاعية، وصياغة إستراتيجية أمنية مشتركة تضع حدا للاجتهادات الفردية التي أثبتت التجربة أنها لا تكفي لمواجهة تحدٍ إقليمي بهذا الحجم والتعقيد.
ما يجعل هذه الإستراتيجية أكثر إلحاحا اليوم هو أن المشهد الإقليمي يشهد تحولات متسارعة، تتصارع فيها القوى الكبرى على مناطق النفوذ، فيما تبحث إيران عن موطئ قدم في أي ترتيب إقليمي جديد. فالاتفاقات الدولية، مهما بلغت أهميتها، لا تغير طبيعة النظام في طهران ولا تلغي جوهر سلوكه القائم على توسيع دائرة النفوذ عبر الوسائل غير المباشرة. ولطالما أثبتت طهران قدرتها على توظيف أي متنفس سياسي أو اقتصادي لتعزيز مشروعها الإقليمي بآليات أكثر تعقيدا وبتمويل أكبر، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بملفات أخرى ومن حالة التشرذم التي تعاني منها المنطقة العربية.
في مواجهة هذا التحدي، الردع الخليجي المشترك ليس خيارا بين خيارات، بل هو الضمانة الوحيدة لحماية السيادة والاستقرار. وهو أيضا الرسالة الأكثر وضوحا التي يمكن توجيهها إلى من يعتقد أن انشغال العالم بقضاياه يمنحه فرصة لتجاوز الخطوط الحمراء. هذه الرسالة يجب أن تمتد إلى المجالات الاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية، وأن تترجم إلى سياسات تعكس إرادة خليجية موحدة لا تقبل القسمة على اثنين.
ليس المطلوب من دول الخليج أن تختار بين المواجهة المفتوحة والانكفاء السلبي، فهما خياران ثبت فشلهما عبر العقود الماضية. المطلوب هو بناء إستراتيجية ردع طويلة الأمد تتجاوز منطق ردود الفعل الآنية، وتستند إلى قدرات وطنية متطورة، وتحالف إقليمي متماسك، وفهم واضح لمسألة أنّ الأمن الخليجي كل لا يتجزأ، وأن أي ثغرة فيه ستكون نافذة مفتوحة أمام من لا يؤمن بجيرة السلم ولا يحترم حق الجوار. هذه الإستراتيجية تتطلب أيضا وعيا مجتمعيا بدقة المرحلة، وبأنّ مستقبل المنطقة لا يمكن تركه رهينا باتفاقات قد تأتي وقد تذهب، بل يجب بناؤه بقوة الإرادة المشتركة والإيمان الراسخ بأن الردع ليس غاية في حدّ ذاته، بل وسيلة لتحقيق استقرار دائم يحمي المقدرات ويصون السيادة.
ما تحتاجه دول الخليج اليوم ليس مجرد قدرة على الردع، بل قدرة على بناء نظام أمني إقليمي متين قادر على استيعاب المتغيرات ومواجهة التحديات. وهذا يتطلب يقظة مضاعفة، وإستراتيجية تمتد إلى كل مفاصل الدولة، من تسليح متطور إلى وعي مجتمعي، ومن تنسيق سياسي إلى تكامل اقتصادي.
المصدر : العرب اللندنية الكاتب : علي قاسم
