في الحادي والعشرين من شباط من كل عام، تتوقف شعوب العالم أمامَ مرآةِ هويتها، وتستمع إلى نبض لغتها الأولى، تلك اللغة التي تعلمت بها الحروف الأولى، وتهجّت بها أسماء الأمهات، ونسجت بها أحلاماً كبيرة. إنه اليوم العالمي للغة الأم، اليوم الذي أقرّته منظمة اليونسكو ليكون مناسبةً عالمية للاحتفاء بالتنوع اللغوي والثقافي، والتأكيد على أن اللغة ليست مجردَ وسيلةِ تواصل، بل وعاءً للذاكرة الجماعية، وجسراً يربط الماضي بالحاضر والمستقبل.
تعود جذور هذا اليوم إلى حدثٍ دموي في عام ألف وتسعمئة واثنين وخمسين في مدينة دكا في بنغلادش، حين خرجَ طلابٌ جامعيون في احتجاجاتٍ سلمية مطالبين بالاعتراف بلغتهم البنغالية لغةً رسمية، في وقتٍ كانت السلطات الباكستانية تفرض لغةً أخرى كلغةٍ وحيدة للدولة.
سقط حينها عددٌ من الطلاب قتلى، لتتحول دماؤهم إلى رمزٍ عالمي للنضال من أجل الحق في اللغة الأم. ومن هنا، اختير يوم الحادي والعشرين من شباط تخليداً لتلك التضحيات، وتأكيداً على أن الدفاع عن اللغة هو دفاعٌ عن الكرامة والوجود.
منذ ذلك الحين، بات هذا اليوم محطة لتسليط الضوء على واقع اللغات في العالم، حيث تشيرُ تقاريرُ الأمم المتحدة إلى أن آلاف اللغات مهدّدة بالاندثار، نتيجة سياسات الإقصاء أو العولمة المتسارعة أو التهميش الثقافي. فاللغةُ، حين تُمنع من التعليم والإعلام والإدارة، تتحول تدريجياً إلى همسٍ منزلي، ثم إلى ذكرى.
وفي أكثر من بقعةٍ حول العالم، واجهت لغاتٌ عريقة سياسات إنكارٍ أو حظر. فاللغة الكردية، التي يتحدث بها ملايين البشر في الشرق الأوسط، تعرّضت عبر عقودٍ لقيود مشدّدة في بعض الدول، حيث مُنع تعليمها في المدارس، أو حُظرت كتبها، أو حوربت في الفضاء العام. وكذلك اللغة الأمازيغية في شمال أفريقيا، التي عانت طويلاً من التهميش قبل أن تنتزع اعترافاً رسمياً في بعض البلدان بعد مسارٍ طويل من النضال الثقافي والسياسي.
وفي السياق السوري، يبرز مثالٌ أكثرُ حداثةً يتعلق بالمناطقِ التي خضعت لسيطرة الاحتلال التركي في شمال البلاد، وتحديداً في مدينتي عفرين ورأس العين. فبعد الهجمات العسكرية التي أفضت إلى احتلال تركيا وفصائل مواليةٍ لها على هاتين المنطقتين، أُدخلت تغييراتٌ جذرية على المناهج التعليمية، حيث فُرضت اللغة التركية في المدارس، وتمّ تقييد أو منع تعليم اللغة الكردية في كثيرٍ من الحالات، بحسب تقارير منظمات حقوقية محلية ودولية.
هذا التحوّل لم يكن مجرد تعديلٍ إداري، بل مسَّ جوهر الهوية الثقافية للسكان، إذ أن حرمان الطفل من التعلّم بلغته الأم ينعكس على تحصيله العلمي، ويزرع فجوةً بينه وبين بيئته الاجتماعية.
في المقابل، يبرز نموذجٌ مختلف في مناطق الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا، التي أعلنت منذ تأسيسها اعتماد مبدأ التعددية اللغوية في مؤسساتها التعليمية. فقد أُقرّت مناهج تتيح التعليم باللغة الأم للكرد والعرب والسريان الآشوريين، كلٌ بلغته، في محاولة لترسيخ مبدأ أن اللغة حقٌّ طبيعي لا يُمنح ولا يُسلب. هذا التوجّه، الذي بدأ بخطواتٍ متدرّجة وسط تحدياتٍ سياسية واقتصادية وأمنية، اعتُبر تجربةً رائدة في بيئةٍ متعددة القوميات.
ويرى تربويون أن التعليم باللغة الأم في المراحل الأولى يعزّز الفهم والاستيعاب، ويقوي الثقة بالنفس، ويدعم الانتماء الثقافي. كما أنه لا يتعارض مع تعلّم لغاتٍ أخرى، بل يشكّل قاعدةً صلبة للانفتاح على العالم. فحمايةُ اللغة الأم لا تعني الانغلاق، بل تعني الانطلاق من جذورٍ ثابتة نحو آفاقٍ أوسع.
إن الصراع على اللغة ليس صراعاً لغوياً فحسب، بل هو صراعٌ على الرواية والذاكرة والحق في الوجود. وحين تُحارب لغةٌ ما، فإن ما يُستهدف فعلياً هو تاريخُ شعبٍ وثقافته وأغانيه وحكاياته الشعبية. لذلك، فإن اليوم العالمي للغة الأم لا يقتصر على الاحتفال، بل هو دعوةٌ إلى مراجعةِ السياسات التعليمية والثقافية، وإلى احترام التعددية بوصفها ثروةً إنسانية لا تهديداً.
في زمن تتسارع فيه العولمة، وتذوب فيه الحدود الثقافية، تظلُّ اللغة الأم حِصناً للهوية ومرآةً للذات. هي أولُ ما يُسمع، وأول ما يُنطق، وآخر ما يبقى في الذاكرة. وفي الحادي والعشرين من شباط، لا يتمّ الاحتفال بالحروف فحسب، بل يُحتفل بحقِّ الإنسان في أن يسمّي العالم بلغته، وأن يحلم بصوته الخاص. فحين تُصان اللغة الأم، يُصان الإنسان ذاته، ويُصان حقّ الشعوب في أن تبقى كما هي… متنوعة، وحيّة، ومتجذرة في أرضها وتاريخها.
