في تحركٍ شعبي غير مسبوق داخل المناطق ذات الغالبية العلوية، شهدت مدن الساحل السوري، ولا سيما اللاذقية وطرطوس وجبلة وبانياس، حالةَ شللٍ شبه تام بعد توسّع رقعة الإضراب الذي سمي بـ “إضراب من أجل الكرامة”، والذي بدأ في الثامن من كانون الأول ديسمبر الجاري، ويستمر خمسة أيام.
ويأتي هذا الإضراب احتجاجاً على الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية، إضافةً لرفض خطاب الكراهية والمجازر التي شهدتها المنطقة واستجابةً لدعوة الشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، وسط توترٍ متزايد ومحاولات للضغط على الأهالي لإنهاء الإضراب.
الإضراب الذي انطلق في إطار احتجاجاتٍ متواصلة منذ الخامس والعشرين من تشرين الثاني نوفمبر الماضي، يعبّر بحسب ناشطين عن استياء متراكم من الأوضاع السياسية والاقتصادية وتدهور الأمن في مختلف المناطق.
وفي اليوم الثاني للإضراب أغلقت معظم المحال التجارية في مدينة اللاذقية أبوابها في أحياءَ واسعة مثل دمسرخو، والرمل الشمالي، والزراعة وبسنادا، مع نسب استجابة وصلت إلى ثمانين في المئة في بعض الأسواق.
المشهدُ نفسه تكرر في طرطوس وحمص وعددٍ من بلدات ريف حماة مثل مصياف وسلحب والغاب، حيث تجاوز الالتزام بالإضراب سبعين في المئة.
وبحسب الأهالي، جاءت الاستجابة الواسعة خصوصاً في المناطق العلوية، تعبيراً عن موقف شعبي تجاه سياسات السلطات القائمة، وللتأكيد على رفض الاحتفالات الرسمية التي دعت إليها السلطة المؤقتة في ذكرى سقوط نظام بشار الأسد، وهو ما وصفه الشيخ غزال غزال بأنه “احتفالٌ بالإكراه”.
ورغم الضغوط الأمنية ومحاولات إجبار التجار على فتح محالهم، بما يشملُ التلويح بعقوبات وفصل موظفين، يستمر الإضراب لليوم الثاني مع تمسّك الأهالي ببيوتهم وغياب الفعاليات الاحتفالية المعتادة في هذا الموسم.
ووسط هذا المشهد، سجلت عدة مناطق توتراً أمنياً، كان أبرزها حادثةَ مقتلِ الشاب مراد محرز بعد أن تمَّ سؤاله عن طائفته في حي اليهودية باللاذقية، في واقعةٍ أثارت موجة غضبٍ واسعة ودعوات للمشاركة في تشييعه تعبيراً عن التضامن ورفض العنف، فيما قتل شخصٌ وأصيب آخر في حي القوز بمدينة بانياس، جراء إطلاق نارٍ همجي على المنازل، وقد اعتبرت الحادثتان مؤشراً إضافياً على مستوى الاحتقان المتصاعد في المنطقة.
المرصد السوري لحقوق الإنسان أشار من جهته إلى انتشار رسائلَ تضامنٍ واسعة في القرى والبلدات العلوية، تحمل عبارات مثل “الإضراب حق وكرامة” و”دماء العلويين ليست رخيصة”، في تأكيد على البعد الجماعي للتحرك.
ومع استمرار الإضراب واتساع نطاقه الجغرافي، يرى مراقبون أنه يعكس تحولاً مهماً في موقف الحاضنة الشعبية في الساحل، ومحاولةً لإيصال رسالةٍ واضحة تطالب برفع المعاناة واحترام الحقوق، في ظل وضعٍ اقتصادي وسياسي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.
