الكاتب: دليار حسن
في مساءٍ خريفيٍ متوتر، من اليوم الخامس عشر لشهر تشرين الأول عام 2025، كانت جسر الشغور على موعدٍ مع واحدةٍ من أكثر لياليها اضطرابًا منذ سنوات. دوّت أصواتُ الرصاص في أحياء البلدة، وارتجفت واجهات المنازل تحت وقع الاشتباكات، التي اندلعت بين جهاز الأمن العام التابع لهيئة تحرير الشام، ومقاتلين أجانب من الحزب الإسلامي التركستاني، مدعومين بعناصر من الأوزبك والشيشان. ما بدا كمداهمة روتينية لمقرٍّ يُشتبه بأنه يضم خلية مستقلة، تحوّل بسرعة إلى مواجهة مسلحة مفتوحة، بعد أن حاولت القوة المهاجمة اعتقال القيادي المعروف باسم أبو دجانة التركستاني وعدد من رفاقه. استمر القتال نحو نصف ساعة فقط، لكنه كان كافيًا ليكشف حجم التوتر المكبوت بين الجولاني وحلفائه الأجانب، الذين ساهموا سابقًا في تثبيت سلطته داخل إدلب وريفها الغربي.
كانت الاشتباكات أقصر من أن تُغيّر خريطة السيطرة، لكنها كانت أعمق في معناها السياسي والأمني. فبالنسبة للمقاتلين الأجانب، اعتقال أبو دجانة يعتبر خطوة متعمدة لتفكيكهم وإخضاعهم لقيادة الجولاني، الذي يسعى منذ فترة إلى تقديم نفسه للعالم، كقوة منضبطة قادرة على إدارة منطقة “آمنة” يمكن التعامل معها دوليًا. أما بالنسبة للهيئة، فقد مثّل الرد المسلح تحديًا مباشرًا لهيبتها الداخلية، ورسالة بأن قبضتها الحديدية لم تعد تخيف الجميع. في اليوم التالي، هدأت جسر الشغور، لكن الصمت الذي تبع المعركة لم يكن سلامًا، بل هدنة متوترة تخفي وراءها أزمة أعمق بكثير من اشتباكٍ مسلح.
من الرصاص إلى السجلات: معركة الهوية
خلف هذا المشهد الدموي، تُدار معركة أخرى أكثر خطورة وأشد صمتًا: معركة الهوية. فبينما تتقاتل الفصائل في الميدان، تُغيَّر داخل السجلات المدنية ملامحُ البلاد بهدوء تام. بحسب مصدر من المنطقة، تُنفَّذ منذ أشهر عمليات تجنيس غير قانونية لمقاتلين أجانب وعائلاتهم، عبر استخدام السجلات الخاصة بأشخاص قُتلوا خلال الحرب. يُؤخذ الرقم الوطني لعائلة سورية قُتلت بالكامل، ويُمنح لمقاتلين أجانب، ليُسجَّلوا في النظام على أنهم العائلة نفسها. بهذه الطريقة، يُمحى القتيل من الذاكرة، ويُبعث المقاتل الأجنبي على هيئة “مواطن سوري” جديد.
يشرح المصدر أن النظام الإلكتروني للسجل المدني مقسوم إلى نسختين: واحدة ظاهرة للعامة، وأخرى داخلية لا يراها سوى عدد محدود من الموظفين الموثوقين حيث تُستخدم النسخة الحقيقية لإدخال بيانات المقاتلين وأسرهم الذين يحصلون على بطاقات هوية سورية كاملة.
في إحدى الحالات التي كشف عنها المصدر، قُتلت عائلة من عشرة أفراد خلال مجزرة في الساحل السوري، وتم منح وثائقها لعائلة أوزبكية من ثمانية أشخاص. الأب الأوزبكي أصبح “سوريًا”، وأطفاله الستة مسجلون في المدارس على أنهم أبناء تلك العائلة الراحلة. إنها عملية إعادة إنتاج كاملة لبنية سكانية جديدة، تُحوّل الموتى إلى واجهات قانونية للأحياء الجدد، وتعيد رسم الخريطة الديموغرافية من الداخل.
التجنيس الجماعي: مشروع لإعادة تشكيل المجتمع
التجنيس الجماعي للمقاتلين الأجانب وعائلاتهم ليس مجرد إجراء إداري، بل فعل مدروس يحمل في طياته كارثة اجتماعية وأمنية تهدد نسيج مجتمع هش ومتعب من الحرب والنزوح. ما يُدوّن اليوم على دفاتر السجل المدني سيُترجم غداً إلى واقع متفجر لا يمكن السيطرة عليه.
إدخال عشرات الآلاف من الأشخاص الذين يحملون ولاءات أجنبية وإيديولوجيات متطرفة يشبه زرع ألغام موقوتة داخل مجتمعٍ يعاني أصلاً من الفقر والانقسام والتشرد. هؤلاء ليسوا مواطنين عاديين، بل خلايا نائمة تحمل في صدورها بذور الفوضى والصراع، التي ستنفجر مع أول اشتباك على مورد محدود أو نفوذ سياسي.
تشير التقديرات الميدانية إلى أن أعداد المقاتلين الأجانب في سوريا تتراوح بين 18 و44 ألفًا، فيما تُجرى عمليات تجنيس يومية بمعدل ثلاثين إلى خمسين شخصًا في أكثر من منطقة بشمال البلاد. هذه الأرقام، وإن كانت تقريبية، تكفي لتوضيح حجم الظاهرة التي تتم تحت غطاء من الصمت الرسمي، وتواطؤ إداريٍ يُخفي أكثر مما يُعلن.
الدور التركي: ظلّ طويل يمتد فوق الشمال
لا يمكن الحديث عن هذه الظاهرة دون الإشارة إلى الدور التركي. فأنقرة لم تكن فقط منفذ عبور للمقاتلين الأجانب، بل كانت شريكًا غير معلن في استقدامهم وتجنيسهم، مستغلةً الصراع السوري كورقة ضغط لتحقيق أهدافها الإقليمية. الحدود التركية السورية تحولت منذ سنوات إلى ممر مفتوح لعشرات الآلاف من المقاتلين من آسيا الوسطى والقوقاز وحتى الصين، الذين دخلوا البلاد تحت عناوين “الثوار” و”النصرة”، ليصبحوا لاحقًا ركيزة لقوى متطرفة تتنازع السيطرة على الشمال.
اليوم، وبعد سنوات من التغاضي، تحصد تركيا نتائج هذه السياسة. فالمقاتلون الذين استخدمتهم كأداة نفوذ باتوا يشكلون قوة موازية تهدد الاستقرار داخل مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام، كما أظهرت اشتباكات جسر الشغور التي كشفت هشاشة البنية الأمنية وانقسامات داخلية تنذر بانفجارٍ أكبر قادم.
قنبلة موقوتة تهدد مستقبل سوريا
التجنيس الجماعي هو إعلان رسمي عن تفكيك المجتمع المحلي ونهاية أي أمل في استقرار البلاد. حين يصبح المقاتل الأجنبي مواطنًا سوريًا، يفقد النظام القدرة على تتبّعه أو محاسبته على الجرائم التي ارتكبها، ويتحوّل التطرُّف إلى كيان قانوني محميٍّ بهوية وطنية. الأطفال الذين يولدون في هذه العائلات سيكبرون وهم يحملون هوية سورية، لكنهم يتربون على فكرٍ لا يؤمن بالدولة ولا بالمواطنة. وهكذا، تُزرع بذور صراع جديد سيُعيد إنتاج التطرف من الداخل، ويحوّل الهوية إلى أداة انقسام لا انتماء.
إن ما يجري في شمال سوريا ليس مجرد تلاعبٍ بالسجلات، بل إعادة رسمٍ بطيئة لهوية بلدٍ أنهكته الحرب. بين جسر الشغور والسجل المدني، تتقاطع البنادق مع الأوراق، ويُعاد تعريف من هو السوري ومن ليس كذلك. الدم تغيّر لونه، والهوية أصبحت سلاحًا سياسيًا، وما لم يُوقف هذا المسار، فإن الانفجار القادم لن يكون عسكريًا بل ديموغرافيًا – تسبّبه أوراق الهوية المزيفة لا الصواريخ.
