في ظل التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها سوريا، خلال مرحلةِ الحكومة الانتقالية، يبرز الجيش السوري الجديد كمؤسسةٍ لا تزال تبحث عن هُويتها التنظيمية وموقعها في المشهد الوطني المعقد.
ورغم الجهود المعلنة لإعادة بناء جيشٍ موحّدٍ يخضع لسلطة الدولة ومؤسساتها، إلا أن الواقعَ الميداني يشير إلى استمرار مظاهر الانقسام الفصائلي، وتعدد مراكز القرار داخل البنية العسكرية.
فمنذ تأسيس الحكومة الانتقالية، لم تتمكن وزارةُ الدفاع من فرض هيكليةٍ موحّدة، تُنهي حالةَ التشتت التي تراكمت خلال سنوات الصراع.
العديد من الفصائل المسلحة التي اندمجت تحت راية الوزارة، ما زالت تحتفظ بولاءاتها الخاصة، ما أضعف القدرةَ على ضبط القرار العسكري، وأفقد المؤسسة طابَعَها الوطني الشامل.
وتنعكس هذه الفوضى على الأرض بوضوح، في العمليات الميدانية المتباينة التي تشهدها مناطقُ عدة، من الساحل السوري إلى السويداء في الجنوب، وصولاً إلى ما يعيشه في الوقت الراهن حيَّا الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب شمالي البلاد، رغم الاتفاق على وقف إطلاق النار وإنهاء حصارِ الحيين.
التقارير الميدانية تتحدث عن تجاوزاتٍ وانتهاكات، ناتجةٍ عن غياب الانضباط العسكري وافتقار القيادات إلى سلطةٍ وطنية حقيقية، الأمر الذي زادَ من معاناة المدنيين، وأفقد المؤسسةَ العسكرية ثقةَ الشارع السوري.
ويرى مراقبون أن استمرارَ هذه الحالة يهدد فكرة الدولة ذاتها، فالمؤسسةُ العسكرية في أي دولة، هي العمودُ الفقري للسيادة الوطنية، وأيُّ خللٍ في تماسكها يعني بالضرورة هشاشةً في البنية السياسية والإدارية.
وفي ظل غياب تنظيمٍ مؤسساتي واضح في وزارة الدفاع، يرى مراقبون أن الحاجةَ تبدو مُلحّةً لوضع استراتيجيةِ إصلاحٍ شاملةٍ تعيد للجيش طابعه المهني، وتؤسس لثقافةٍ وطنية جامعة، تتجاوز الانتماءات الفئوية والمناطقية، فإعادة بناء الثقة بين الجيش والمجتمع تبدأ من الداخل، ومن إعادةِ تعريف مفهوم الخدمة العسكرية على أساس الولاء للوطن، لا للفصيل أو الجهة.
كما يؤكد خبراءُ أن استمرار الحالة الفصائلية في الجيش السوري، يشكل اختباراً حقيقياً للحكومة الانتقالية، التي يُفترض بها أن ترسمَ ملامح سوريا الجديدة، على أُسسِ القانون والمؤسسات، لا على منطق القوة والولاءات، فإمّا أن تنجح في بناء جيشٍ وطني حديث يعبر عن جميع السوريين، أو أن تبقى رهينةَ واقع الانقسام الذي أنهك البلاد لأكثرَ من عقد.
