يُعتبر عبد الله أوجلان، مؤسس حزبِ العمال الكردستاني واحداً من أبرز الشخصيات الكردية، التي شكلت مساراً سياسياً وفكرياً مميزاً في الشرق الأوسط، وأظهر منذ صغره شخصيةً مؤثرة، قادته إلى النشاط السياسي والطلابي في أنقرة، إذ تأثر بالحركات الثورية في سبعينيات القرن الماضي.
قاد أولى مجموعاته السياسية عام 1973، لينتهي الأمرُ بتأسيس حزب العمال الكردستاني عام 1978، الذي تبنّى خطابَ التحرر الوطني للشعب الكردي، إلى جانب الدفاع عن حقوق الشعب التركي. ومع انقلاب 1980 في تركيا، اشتدت الملاحقاتُ الأمنية فانتقل إلى سوريا ولبنان، حيث بدأ بالتحضير للكفاح المسلح الذي انطلق عام 1984.

أوجلان طرح منذ التسعينيات مبادراتٍ متعددةً للحل السياسي السلمي، أبرزها مبادرة 1998 لوقف إطلاق النار، إلا أن هذه الخطوات اصطدمت بمصالح قوى إقليمية ودولية. رأت الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية وحلف الناتو، في طروحاته خطراً على استراتيجياتها، فبدأت خيوط المؤامرة الدولية التي أجبرته على مغادرة سوريا في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 1998، متنقلاً بين عدة دول، حتى اختُطف في كينيا بتاريخ 15 شباط/ فبراير 1999 ونُقل إلى تركيا.
عاش أوجلان عزلة مشددة في سجن إيمرالي، حُكم عليه بالإعدام بدايةً، ثم خُفف الحكم إلى المؤبد عام 2002 انسجاماً مع القوانين الأوروبية. وظل محروماً من لقاء محاميه وعائلته لعدة سنوات بشكل شبه كامل، في انتهاكٍ صارخ للقوانين الدولية واتفاقيات جنيف.
سياسة انتهجتها الأنظمة التركية المتعاقبة منذ القرن الماضي، فيما اعتبر مراقبون أنها جزءٌ من محاولةِ القضاء على فكر أوجلان التحرري ومشروعه الديمقراطي.

وفي شباط/ فبراير الماضي أطلق أوجلان من سجنه في إيمرالي مبادرة السلام، التي اعتبرها مراقبون نقطة تحولٍ كبيرة في مسار حزب العمال الكردستاني، بل في مسار المنطقة بأسرها، إذ تفتتح مرحلةً جديدة من السلام والمشاركة السياسية والاجتماعية بعد أربعة عقود من النضال المسلح في وجه استبداد الدولة التركية.
بالمقابل لا يزال رئيس النظام التركي رجب أردوغان يطلق تصريحاتٍ ضد حزب العمال الكردستاني، ويشكك في جدوى المبادرة وحل الحزب وإلقاء السلاح، رغم وجود وساطاتٍ منها وفد إيمرالي، الذي أجرى لقاءات مع المسؤولين والأحزاب الكردية في إقليم كردستان.
إلى جانب السياسة، أولى أوجلان اهتماماً خاصاً بقضية المرأة. رأى أن تحرر المرأة شرطٌ أساسي لتحرر المجتمع والوطن، فعمل على إشراكها في العمل الثوري منذ البدايات. ظهرت قياداتٌ نسائية مثل ساكينة جانسيز وزيلان، وأسسن تنظيماتٍ عسكرية واجتماعية مستقلة. وتحوّلت المرأة الكردية إلى رمز مقاومة، خصوصاً في كوباني خلال مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، حيث لعبت دوراً مركزياً عسكرياً واجتماعياً.
طرح أوجلان مبادئ لتحرر المرأة تقوم على الوطنية، والفكر الحر، والتنظيم، والنضال، والأخلاق، مؤمناً أن كسب المرأة يعني كسب الثورة.

أما على صعيد الفكر السياسي، فقد بلور أوجلان مشروع “الأمة الديمقراطية” كردٍّ على نموذج الدولة القومية والحداثة الرأسمالية. ويرتكز المشروع على التعددية، والمساواة، والتعايش الحر بين المكونات، بعيداً عن الحدود القومية الضيقة، واعتبره حلاً لأزمات الشرق الأوسط. وتجسدت أفكاره في تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، إذ باتت الديمقراطية التشاركية والقيادة المشتركة بين الرجل والمرأة إحدى أبرز سماتها.
المؤامرة لم تنتهِ على أوجلان بعد، بل تجددت عبر سياسات الاحتلال والتدخلات الإقليمية، مثل احتلال عفرين عام 2018، واحتلال سري كانيه/ رأس العين وكري سبي/ تل أبيض عام 2019، واستمرار الهجمات على إقليم شمال وشرق سوريا.
ورغم كل ذلك، بقي فكره أساساً لمقاومة الشعوب في المنطقة، خاصة مع الدور الريادي للمرأة. بالنسبة لأنصاره فإن حرية أوجلان الجسدية شرطٌ لتحقيق سلامٍ عادل، لأن مشروعه بات رمزاً لمقاومة الاستبداد والسعي نحو مجتمع ديمقراطي عادل.
