في مثل هذا اليوم قبل ستِّ سنوات، اجتاحَ الاحتلال التركي والفصائل الإرهابية التابعة له، مدينتَي سري كانيه/رأس العين، وكري سبي/تل أبيض في شمال شرقي سوريا، مخلفاً واقعاً مغايراً، تمثّل في نزوح الآلاف من السكان الأصليين وتغيير البنية الديموغرافية للمنطقة، وتحويلها إلى ساحةٍ مفتوحة للفوضى والمعاناة الإنسانية.
ستُّ سنواتٍ مرّت على ذلك الاحتلال، الذي لم يجلب لأهالي المدينتين سوى الخراب والتهجير والدماء، في مشهدٍ يجسد أبشعَ صور الانتهاكات الإنسانية.
منذ اليوم الأول، ارتكب الاحتلالُ التركي والفصائل الإرهابية التابعة له، جرائمَ موثقةً بحق المدنيين، بدءًا من القتل الميداني، مرورًا بعمليات الاختطاف والاختفاء القسري، وصولًا إلى نهب الممتلكات العامة والخاصة.
أحياءٌ كاملةٌ تم إفراغها من سكانها الأصليين عبر الترهيب والقوة المسلحة، ليُستبدلوا بعوائلَ من مناطق أخرى، في إطار سياسةٍ تركيةٍ واضحةِ المعالم، قائمة على مبدأ التغيير الديموغرافي، فتركيا لم تكتفِ بالاحتلال العسكري، بل عمدت إلى تغيير هوية المدينتين، عبر تهجير الكرد والسريان الآشوريين وغيرهم من المكونات الأصيلة، واستقدام عائلاتِ عناصرِ الفصائل الإرهابية لتوطينها مكانهم.
كما سعى الاحتلال التركي عبر الفصائل الإرهابية التابعة له، لطمس الهوية الثقافية للمدينتين، فالمدارس فُرضت عليها مناهجُ تركية، واللغة الكردية أُقصيت لصالح التركية، بينما رُفعت الأعلام التركية في الساحات العامة بدلًا من علم سوريا، في خطوةٍ وصفها مراقبون بأنها محاولةٌ واضحةٌ لإلغاء هُوية المدينتين، وقطع صلتهما بتاريخيهما العريق.
اليوم، تبدو رأس العين وتل أبيض كمدنٍ منكوبة، الخدمات شبهُ معدومة، المؤسساتُ التعليمية والصحية متهالكة، والواقع الأمني يزداد سوءًا، فالفصائل الإرهابية التي تُحكِمُ قبضتها الأمنية على المدينتين، تحولت إلى عصاباتٍ متصارعة فيما بينها، وتخوض اشتباكاتٍ متكررةً داخل الأحياء السكنية، في صراعٍ محموم على السرقات.
أما المدنيون، الذين لم يتمكنوا من النزوح، يعيشون كرهائنَ داخل مدنٍ فقدت كل مظاهر الحياة الطبيعية، في ظل الانفلات الأمني الذي يهدد كل بيتٍ وكل شارع، وحالات القتل والسطو والاعتداء تكادُ تكونُ يومية.
ورغم هذا الواقع المأساوي، لا يوجد موقفٌ حاسمٌ من الحكومة السورية الانتقالية التي تُقدَّم كغطاءٍ سياسي لتلك الفصائل. هذه الحكومة لا تطالب بخروج الاحتلال التركي، بل تتماهى معه وتغطي جرائمه، متخليةً عن أبسط واجباتها تجاه أهالي سري كانيه رأس العين وكري سبي تل أبيض.
وفي الذكرى السادسة للاحتلال، يرفع المهجّرون قسراً من المدينتين صوتهم من جديد، مؤكدين أن حقَّ العودة لا يسقط بالتقادم، وأنهم لن يتخلوا عن أرضهم مهما طال الزمن. عودتُهم ليست مجرد مطلبٍ إنساني، بل حقٌّ مشروع يكفله القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
ستُّ سنواتٍ من الألم والمعاناة تكفي لقول الحقيقة، الاحتلال التركي والفصائل الإرهابية التابعة له، لم يجلبوا سوى الخراب للمدينتين، وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته، كما على القوى الوطنية السورية أن تتّحدَ للمطالبة بخروج هذا الاحتلال، وضمان عودةٍ آمنةٍ وكريمة لكل المهجرين إلى ديارهم.
