مع اقتراب موعد أول انتخابات برلمانية في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، والمقررة في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر المقبل، بحسب المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات نوار نجمة، يتزايد الجدل حول مدى جدّية هذه الخطوة في إرساء ديمقراطية حقيقية في البلاد.
وفي تقرير نشره موقع دويتشه فيله الألماني، جاء العنوان لافتاً: “سوريا تؤسس برلماناً جديداً.. ديمقراطية حقيقية أم فرض للهيمنة؟”، حيث تناول التقرير أجواء التحضيرات الجارية للانتخابات التي توصف بأنها الأولى من نوعها بعد عقود من حكم الأسد الأب والابن، والحرب الأهلية التي أعقبت ذلك.
انتخابات غير مباشرة.. وواقع ميداني معقد
وفق التقرير، فإن الانتخابات المقبلة لن تكون عامة بالمعنى التقليدي؛ إذ لن يُتاح لكل السوريين التصويت، ولن تشهد البلاد حملات انتخابية مفتوحة أو تعددية حزبية. بدلاً من ذلك، ستُجرى الانتخابات عبر لجان تمثل مناطق مختلفة، ما يجعل العملية، في جوهرها، انتخابات “غير مباشرة”، حسب وصف الموقع، في ظل تعقيدات الواقع الأمني والسياسي على الأرض.
تأجيل في مناطق حساسة.. وأسباب أمنية مشكوك فيها
أعلنت الحكومة الانتقالية عن تأجيل الانتخابات في عدد من المحافظات، منها السويداء، الرقة، والحسكة، متذرعة بدواعٍ أمنية. غير أن دويتشه فيله نقل عن مصادر أن السبب الحقيقي يعود إلى عدم سيطرة الحكومة فعلياً على تلك المناطق، خاصة بعد موجات من العنف الطائفي في السويداء، التي شهدت سقوط مئات الضحايا من الطائفة الدرزية.
70 مقعداً إضافياً بيد الرئيس وتنامي المخاوف من الهيمنة
ومن المقرر أن يُضاف 70 عضواً إلى البرلمان الجديد، يتم تعيينهم مباشرة من قبل الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، ما أثار مخاوف واسعة بشأن تركيز السلطة بيد الرئاسة، وتكرار سيناريوهات الحكم الفردي الذي عانت منه سوريا لعقود.
وأشار التقرير إلى أن هذا التعيين يمنح الرئيس صلاحيات واسعة في التأثير على التوازن داخل البرلمان، خاصة أن الدستور المؤقت ينص على أن نقض المراسيم الرئاسية يتطلب موافقة ثلثي أعضاء المجلس، ما يجعل وجود 70 عضواً موالين للرئيس عائقاً أمام أي مساءلة أو توازن حقيقي في السلطة.
انقسام في الرأي العام.. ورفض من منظمات مدنية
رغم أن استطلاعاً حديثاً أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، ومقره قطر، أظهر أن 57% من نحو 4000 سوري يرون أن الوضع السياسي “إيجابي”، إلا أن قطاعاً آخر من السوريين عبّر عن تشكيكه في العملية، واعتبرها “مسرحية سياسية”، تهدف إلى إضفاء شرعية شكلية على الحكومة الانتقالية، دون إحداث تغيير فعلي في بنية الحكم أو تمثيل حقيقي للشعب.
وفي سياق متصل، أصدرت 14 منظمة مجتمع مدني سورية ورقة موقف دعت فيها إلى إصلاحات جوهرية في العملية الانتخابية، معتبرة أن الرئيس الانتقالي يحتفظ بسلطات مفرطة تتحكم بمسار الانتخابات ونتائجها، الأمر الذي يضعف فرص بناء مؤسسات ديمقراطية مستقلة.
غياب المقومات الأساسية للديمقراطية
وخلص التقرير إلى أن الانتخابات المزمع إجراؤها، ورغم كونها الأولى بعد انهيار النظام السابق، تفتقر إلى الشروط الأساسية للديمقراطية، مثل وجود دستور دائم يضمن الحقوق، وحرية تشكيل الأحزاب، والتصويت المباشر، والفصل بين السلطات. ما لم يتم توفير هذه العناصر، تبقى الانتخابات خطوة ناقصة في طريق الانتقال الديمقراطي
