في ليالي الحرب السورية المظلمة، انكشف وجه العنف والدمار بأبشعِ صوره، حيث شهدت المجتمعات المحلية مآسي لا تُمحى على يدِ أحد أعتى التنظيمات الإرهابية في التاريخ الحديث.
من بين هذه المآسي، تبرز مجزرة الشعيطات في ريف دير الزور كواحدةٍ من أكثر الجرائم بشاعةً، التي تركت جرحًا عميقًا في وجدان الشعب السوري.
في صيف عام ألفين وأربعة عشر، شهد ريف دير الزور شرقي سوريا، واحدةً من أبشع المجازر التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي خلال فترةٍ تمدده في سوريا والعراق، وذلك بعد رفض عشيرة الشعيطات “إحدى أكبر العشائر في المنطقة” مبايعة التنظيم والانصياع لحكمه المتشدد.
كان ردُّ التنظيم انتقامًا دمويًا استهدف المدنيين من أبناء العشيرة، مما أسفر عن مجزرة جماعية صادمة لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
بدأت الأحداث بمحاولة العشيرة مقاومة سيطرة التنظيم الإرهابي على قراها، ما أدى إلى اشتباكاتٍ قصيرة انتهت بانسحاب عناصر داعش مؤقتًا، ليعود التنظيم لاحقًا بقوة عسكرية كبيرة ويفرض قبضته مجددًا على قرى أبو حمام، والكشكية، وغرانيج.
وفور استعادة السيطرة، شنَّ التنظيم حملة تطهير ممنهجة استهدفت كلُّ من يُشتبه بصلته بالعشيرة أو رفضه سلطته، مستخدمًا أساليب قتل وحشية شملت الذبح، الإعدام بالرصاص، والحرق أحيانًا.
ووفقًا لتقارير حقوقية ومصادر محلية، تجاوز عدد الضحايا ثمانمئة شخص، معظمهم من المدنيين العزَّل، في حين تُشير تقديراتٌ أخرى إلى أن العدد قد يصل إلى حوالي ألفي ضحية، حيث دُفنت الكثير من الجثث في مقابرَ جماعية اكتُشفت لاحقًا، فيما لا يزال مصير مئات المفقودين مجهولًا حتى الآن. كما وثَّقت منظمات حقوق الإنسان حالات اعتقالٍ تعسفي، تعذيب، نهب للممتلكات، وتهجير قسري شمل آلاف العائلات.
لم تكن مجزرة الشعيطات مجرد عملٍ عسكري، بل شكلت سياسةً ممنهجة اتبعها تنظيم داعش لاستهداف الهوية القبلية للعشيرة، حيث تم تصفية أشخاصٍ لمجرد انتمائهم إلى الشعيطات، مما أعطى للجريمة طابعًا تطهيريًا يُصنَّف ضمن جرائم الإبادة الجماعية.
ومع مرور أكثر من عشر سنوات على وقوع المجزرة، لا يزال مرتكبوها بعيدين عن العدالة، رغم استمرار جهود التوثيق. ففي عام ألفين وخمسة وعشرين، أُطلق ملف توثيقي موسّع من قبل “متحف سجون داعش” تضمّن شهادات ناجين، وصورًا لأماكنَ تنفيذ الإعدامات، وخرائط دقيقة لمواقع المقابر الجماعية، ساهم هذا العمل في إعادة تسليط الضوء على واحدةٍ من أكبر الجرائم التي شهدها الصراع السوري.
اليوم، تبقى مجزرة الشعيطات جرحًا مفتوحًا في ذاكرة الشعب السوري، ورمزًا للمأساة التي عانتها المجتمعات المحلية تحت حكم داعش الإرهابي. ورغم صمت المجتمع الدولي آنذاك، لا تزال المطالب بمحاسبة الجناة وإحقاق العدالة حاضرة بقوة، في انتظار أن يجد صوت الضحايا صدىً في ساحات العدالة الدولية.
