بلدٌ لم تتحدّد هويته الوطنية بعد، لا لشيء سوى أنه يغرَقُ بفعل فاعلين، في دوامةِ الاستبداد والعنف والطائفية البغيضة وإنكارِ الآخر، منذ أكثرَ من ستين عامًا، حتى شارف على الرمق الأخير… وبدلاً من مدِّ جسور الثقة بين أطيافه وألوانه المتعددة، والبحث عن ذاكرته الجامعة، خرج قادتُهُ الجدد برسمٍ مُرصّعِ الألوان، يمثّل ما أسموه “الهوية البصرية” وسوّقوه على أنه إنجازٌ ما بعده إنجاز……
عن سوريا نتحدث بالتأكيد… هذا البلد المثقل بجراحاتِ حرب السنوات الأربع عشرة… حيث أُزهقت أرواحُ مئات الآلاف، ومئاتُ آلافٍ آخرون في عِداد المفقودين، وهُجّر وشرّد الملايين، ويعيش تسعون في المئة من سكانه تحت خط الفقر، بحسب إحصائياتٍ للأمم المتحدة…
خطوةُ الحكومة السورية الانتقالية في دمشق، قوبلت بعاصفةٍ من الانتقادات، بسبب توقيتها الذي جاء قبل معالجةِ القضايا الجوهرية، وعلى رأسها غيابُ إجماعٍ وطني حول “الهوية والثوابت الوطنية” في ظل انقسامٍ عميقٍ وواقعٍ سياسي واجتماعي شديدِ التصدّع…..لسانُ حال السوريين يقول…. نعم نريد الهويةَ البصرية، لكن تُرى أين تقعُ في سلم الأولويات وهل نتقصد البحثَ عن طلاءٍ يُخفي وراءَهُ جدارًا متصدعًا…؟
الأسئلة التي تبحث عن أجوبةٍ كثيرة…. أليس الأولى العملُ فوراً على توفير الأمن والأمان، وإعادةُ المهجرين قسراً إلى أرضهم، وحصر السلاح وكبح الفصائل المنفلتة، والبحث عن حلولٍ للأزمات والكوارث الإنسانية، وما أكثرها، والكفُّ عن تشكيل حكوماتٍ بلونٍ واحد، ودولةٍ يحكمها رجلٌ واحد….. فجمال سوريا بألوانها الكردية والعربية والسريانية والعلوية والدرزية…. يقول الشارع السوري.
عن أي هويةٍ بصريةٍ نتحدث، والواقع السوري اليوم يعاني من شرخٍ عميق بين مكوناته، يغذيه خطابُ الكراهية والتحريض والتخوين…. والأولوية هنا للبدء بإشراك الجميع في حوارٍ وطني شامل، والاعتراف بالمظلومية وفتح ملفات العدالة الانتقالية، ووضع ميثاقٍ وطني يتضمن الثوابت الجامعة للسوريين…كل ذلك أولى من الخوض في تفاصيلَ لا تُغني ولا تُسمِن من جوع.
أيُّ هويةٍ بصرية تُرسم، ونحن مازلنا نحاول إخماد الحرائقِ ونصرخ لوقف جرائم القتل على أساسٍ طائفي، ونحفر في الصخر لإقناع الشرع وحكومته بدولةِ المواطنة والاعتراف بالآخر… السوريون لم يتفقوا بعد على شكل الوطن، ولا على ذاكرته، بل هم متخوفون من أن تتحول هذه “الهوية الشكلية” لعاملِ استفزازٍ لمجتمعاتٍ محلية، تقول إنها مُغيبةٌ قصدًا أو بدون قصد، ويجري إقصاؤها عن رسم معالم الدولة السورية الجديدة.
بعضهم الآخر يقول، لا نحتاج إلى وجهٍ جميل لوطنٍ فيه أمهاتٌ ثكلى وجراحاتٌ تنزف، وقمعٌ يتجدد بصورٍ أخرى، وسلطةٌ أحادية تحاول إثبات شرعيتها وترسيخَ أركان حكمها، من خارج سوريا لا من داخلها….بل نحتاج لصون الحقوق وضمان الحريات، وتحقيق العدالة للجميع دون استثناءٍ أو تمييز، وإسكات طبول الحرب الأهلية، التي تقرعها أطرافٌ داخلية وخارجية، لا يهمها لا مصلحة سوريا ولا تطلعات السوريين……
