عشق الحرية خصلة إذا تملكت نفساً جعلت منها طاقة لا تنضب من العطاء والتضحية، وهو ما جسده مقاتلو وكوادر حزب العمال الكردستاني (PKK) منذ تأسيسه في أواخر السبعينات.
هناك.. في جبال قنديل الشامخة، وجد مقاتلو الحزب بيئتهم التي تعكس صلابتهم، وارتفعوا كقمم فوق قمم، صامدين لأكثر من أربعة عقود خلت رغم الصعوبات، حاملين لواء السلام والحقوق المشروعة للشعب الكردي في تركيا وعموم كردستان.
لم يكن حمل السلاح خياراً لهم بقدر ما كان إجباراً فرضته عليهم الظروف، إلا أن شغفهم بتحقيق الحرية دفعهم دوماً إلى البحث عن فرص السلام.
منذ اندلاع الصراع المسلح بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية في مطلع الثمانينات، والدم لا يزال ينزف في البلاد، مخلفاً وراءه عشرات الآلاف من القتلى، وملايين المشردين، ومجتمعاً تركيّاً ممزقاً بين الهوية القومية والطموحات الكردية في الاعتراف والكرامة.
وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، تراوحت العلاقة بين الطرفين بين العنف الوحشي والتهدئة المؤقتة، مروراً بعدة محاولات للحوار والوساطة انتهت جميعها بالانهيار، بعضها نتيجة انقسامات داخلية، وأخرى بفعل تغيرات إقليمية حادة.
وفي تطور لافت ومثير، خرج القائد التاريخي لحزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، المسجون في سجن جزيرة إيمرالي قبالة إسطنبول منذ عام 1999 بنداء “السلام والمجتمع الديمقراطي” الذي يحمل في طياته لهجة غير مسبوقة من الهدوء والدعوة إلى الحكمة، مطالباً رفاقه ومقاتليه بإلقاء السلاح، وترك الكفاح المسلح، والانخراط في نضال سلمي سياسي من داخل إطار الدولة التركية.
نداء أوجلان لم يأتِ من فراغ، بل بدا ثمرة لتراكم طويل من النضال والتعب والإنجازات والخيبة والخسارة، ومواكبة لما يحدث من تغيرات كبرى في المنطقة، خاصة بعد أن شهد الكرد تحولات جذرية في مواقعهم داخل سوريا والعراق، وتعرضوا لمتغيرات سياسية وأمنية زادت من تعقيد المشهد.
رسالة أوجلان حملت بين طياتها معاني واضحة، مفادها أن الزمن قد تغير، وأن حمل السلاح لم يعد وسيلة لتحقيق الحقوق الكردية، بل بات عائقاً أمام أي تسوية عادلة. وقد تجاوبت قيادات الحزب في جبال قنديل مع هذا النداء على نحو غير مسبوق، حيث أُعلن عن تخفيف كبير في العمليات العسكرية داخل تركيا وخارجها، ووقف لإطلاق النار، وهو ما اعتبره بعض المحللين مؤشراً على وجود تفاهمات غير معلنة بين الحزب والنظام التركي، أو لربما تفاهمات على مستوى السياسة العالمية الجديدة.
ليس هذا أول عهد للتهدئة بين الطرفين، ففي تسعينات القرن الماضي، وبالتحديد عام 1993، أطلق أوجلان أولى مبادرات وقف إطلاق النار، استجابةً لمطلب رئيس الوزراء التركي في حينها تورغوت أوزال والذي يهدف إلى إنهاء دوامة العنف وفتح باب الحوار، لكنها لم تعش طويلاً. ثم جاءت محادثات أوسلو السرية في أواخر العقد الأول من الألفية الثالثة، إلا أنها فشلت بدورها لأسباب تتعلق بالتسريبات الإعلامية وغياب الثقة.
أما أبرز المحاولات فكانت في الفترة الممتدة بين عامي 2013 و2015، حين دخل النظام التركي في مفاوضات مباشرة مع قائد الحزب، وتم الإعلان حينها عن عملية سلام شاملة، غير أن التفجيرات التي ضربت مدينة سوروج عام 2015 أعادت كل شيء إلى المربع الأول، وانفجرت بعدها المواجهات من جديد.
اليوم، تبدو الظروف مختلفة، فالدولة التركية تعاني داخلياً من تحديات اقتصادية حادة، وتسعى إلى تقليل التوترات الأمنية على حدودها، خصوصاً في ظل سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على نسبة أكثر من عشرين بالمئة من سوريا. كما أن التغيرات الإقليمية تدفع أنقرة إلى إعادة رسم إستراتيجيتها تجاه القضية الكردية.
نداء أوجلان يمكن اعتباره محاولة استباقية لتثبيت موقع الحزب كلاعب سياسي، بدلاً من أن يتحول إلى ورقة تُستخدم وتُحرق في صفقات القوى الكبرى. أما داخلياً، فيُتوقع أن يُسهم هذا الهدوء – إن استمر – في خلق أجواء سياسية أكثر انفتاحاً للأحزاب الكردية القانونية، كما قد يؤدي إلى إعادة النظر في بعض القوانين المقيدة لحرية التعبير والتجمع.
وفي هذا الصدد قال طيب تمل نائب الرئاسة المشتركة لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب، إن قرار حزب العمال الكردستاني بحل نفسه له أهمية بالغة للشعب الكردي ومنطقة الشرق الأوسط ككل. مشدداً على أن “قرار الحزب بحل نفسه والشروع بتحول جديد سيتطلب أيضاً تحولاً كبيراً في عقلية الدولة الرسمية في تركيا، وسيمهد لتبني نموذج جديد”.
وفي أول خطوة ملموسة نحو ترك السلاح، وكبادرة حسن نية لبناء الثقة، أعلن المتحدث باسم منظومة المجتمع الكردستاني، زاغروس هيوا، لوكالة أسوشيتد برس، أن مجموعة من المقاتلين وتلبيةً لنداء السلام والمجتمع الديمقراطي الذي أطلقه قائدهم عبدالله أوجلان؛ سيدمرون أسلحتهم تحت إشراف مؤسسات المجتمع المدني والجهات السياسية المعنية في حفل رمزي بمدينة السليمانية بإقليم كردستان بين العاشر والثاني عشر من تموز يوليو الجاري.
وطالب الحزب تركيا باتخاذ إجراءات دستورية وقانونية وسياسية “لضمان إعادة دمج مقاتلي الحزب الذين تخلوا عن السلاح في الحياة السياسية الديمقراطية في البلاد” ورفع العزلة عن قائد الحزب عبد الله أوجلان.
وكان حزب العمال الكردستاني قد أعلن في الثاني عشر من أيار مايو حل نفسه، والتخلي عن الكفاح المسلح استجابة لنداء قائده، منهياً بذلك أكثر من أربعين عاماً من الحرب.
وفي سياق ردود الفعل الدولية على هذا التطور، رحبت دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا بالخطوة ورأت فيها بداية نحو تسوية دائمة للقضية الكردية في تركيا. كما أعربت الأمم المتحدة عن دعمها لأي مبادرة تقلل من العنف وتعزز من فرص الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
مع ذلك، لا تزال هناك الكثير من التحديات. فبعض التيارات القومية داخل الدولة التركية ترفض بالمطلق أي تفاهم مع حزب العمال الكردستاني وتعتبر ذلك خيانة. كما أن داخل الحزب نفسه تيارات قد ترى في التخلي عن السلاح دون تقديم أنقرة لتنازلات بشأن حل القضية الكردية داخل تركيا، خطوة سابقة لأوانها. هذا الانقسام الداخلي، سواء في تركيا أو داخل الحزب، هو ما يجعل المرحلة القادمة غامضة ومحفوفة بالمخاطر.
لكن رغم ذلك، فإن الاتفاق – أو على الأقل التفاهم الضمني الحالي – بين حزب العمال الكردستاني والنظام التركي، يمثّل فرصة نادرة لإنهاء صراعٍ طال أمده. ويبقى الرهان معقوداً على قدرة الطرفين على ترجمة نداء أوجلان إلى خطوات ملموسة على الأرض، تفتح الطريق لحل سياسي شامل يعترف بالحقوق الدستورية للشعب الكردي، ضمن إطار الدولة التركية.
إنها لحظة دقيقة من التاريخ، لحظة يختلط فيها الأمل بالحذر، والسلام بالشك، لكن ما يبدو مؤكداً أن الشعوب، لا السلاح، هي من تصنع المستقبل.
تقرير: عبدالرحيم محمد
