فجرَ الخميس تفاجأ السوريون بانتشار مقطعِ فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، يُظهر تحطم نصب “تمثال الشهداء”، الموضوعِ في ساحة سعد الله الجابري في حلب شمالي البلاد، وذلك أثناء محاولةِ إزالته من مكانه، بُغيةَ نقله إلى مكانٍ آخر، وفق ما أعلنته محافظة حلب فيما بعد.
مؤيدو الحكومة الانتقالية، أكدوا أن عمليةَ نقلِ النصب، شابتها بعضُ الأخطاء التي أدت إلى ما أدت إليه، فيما الناظر إلى طريقة النقل، لا يحتاج إلى كثيرٍ من الفِطنة، حتى يعرف أن النتيجةَ ستكون تحطم النصب، وتحطمُ الذاكرة الجمعية لسكان حلب ولكثيرٍ من السوريين، الذين يقصدون المدينة بين الحين والآخر.
تبرير مديرية الآثار والمتاحف في حلب لنقل النصب أثارَ سخط السوريين، إذ أرجعت ذلك إلى أنه يحجِبُ جزءًا من الرؤية على الشاشة الرئيسية، التي وُضعت مؤخراً في الساحة، دون أن تتطرّق إلى محاسبة الجهة المسؤولة عن عملية النقل المزعومة.
بدوره محافظ حلب عزام غريب، أكد أن ما جرى غيرُ مقبولٍ بأي معيار، مشيراً إلى موافقته على نقل النصب إلى المتحف، ضمن خطة قدمها مجلس مدينة حلب بالتنسيق مع مديرية الآثار، بهدف تأهيل الساحة وتحويلها إلى فضاءٍ ثقافي، حسب وصفه.
غريب زعم أن عملية النقل هذه، جاءت بعد مطالباتٍ من الأهالي بإزالة المجسم، نظراً لارتباطه بمرحلةٍ مؤلمة عاشتها المدينة، بين عامي 1982 و1984، لكنه لم يذكر كيفية حصوله على تفويضٍ من الأهالي.
وأضاف أنه وجّه المعنيين بترميم الأجزاء المتضررة من النصب، تمهيدًا لحفظه في المتحف، إلا أن ما فات غريب، أن النصب لا توجد فيه أجزاءٌ متضررة بل متحطمة، بحسب بعض الأهالي.
المستهجن لدى سوريين كُثُر، كان تعليقَ مدير الثقافة في المدينة أحمد وديع العبسي، الذي وصف النصب بأبشع منحوتةٍ في حلب، مؤكداً أنه كان يجب إزالته بأي طريقة، كما انتشر مقطع فيديو قبل عملية نقل النصب، يُسمع فيه صوتُ أحدهم يقول….. (مقطع الفيديو)
الحادثة هذه أعادت إلى الأذهان ما شهدته بلدة معرة النعمان، في ريف إدلب شمال غربي سوريا، في نيسان أبريل الفائت، حيث تداولت وسائلُ إعلامٍ سورية، وناشطون صوراً لضريح أبي العلاء المعري، وقد حطمه مجهولون، ونهبوا محتوياته أيضًا.
هذا الهجوم ليس الأول من نوعه منذ بدء الأحداث في سوريا، إذ قطع مسلحون رأسَ تمثال أبي العلاء المعري عام ألفين وثلاثة عشر، وشوّهوا قاعدته وأطلقوا الرصاص عليه، والمنطقةُ حينها كانت تحت سيطرة جبهة النصرة، التي تحولت فيما بعد إلى هيئة تحرير الشام.
ومن بين الحوادث التي ما زالت عالقةً في مخيلةِ السوريين، مشهدُ تحطيم تمثال كاوا الحداد في مدينة عفرين، في الساعات الأولى لاحتلالها من قبل تركيا وفصائلها الإرهابية، ربيعَ عام 2018.
الحادثتان إلى جانب اعتداءاتٍ أخرى على متدربين موسيقيين في العاصمة دمشق، خلقت حالةً من الشك لدى السوريين، إذ يتخوّف الكثيرُ منهم من خلفية بعض الفصائل، التي باتت شريكةً في الحكم، من أن تفرِضَ رؤيتها من خلال سعيها لتطبيقٍ متشددٍ لأحكام الشريعة الإسلامية على المجتمع السوري، الذي عُرف عبرَ التاريخ بالإسلام الوسطي المعتدل.
وأكثرُ ما يخشاه السوريون اليوم، هو التعوّدُ على تحطُّمِ أو تحطيم التماثيل والنصب التذكارية، بحججٍ وذرائعَ واهية، وذلك في سبيل تغيير هوية البلاد الثقافية، وحصرِها في لونٍ واحدٍ يُنكر كل ما هو مختلِفٌ عنه.
