ليس من الغريب أن تعقِدَ الدولُ اتفاقياتٍ أمنيةً مشتركةً فيما بينها، لكن من المفترض أن تصونَ تلك الاتفاقياتُ سيادة الدول، وألّا تكونَ لمصلحة إحداها على حساب الأخرى، إلا أن هذا الشرطَ لم يكن متوافراً في اتفاقية أضنة، التي وُقِّعْت في مثل هذا اليوم، من عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثمانيةٍ وتسعين، بين النظام التركي والحكومة السورية.
الاتفاقية وُقّعت في مدينة أضنة جنوبي تركيا وحملت اسمها، في أوج تأزُّمِ العلاقة بين دمشق وأنقرة، التي هدّدت حينها باجتياح الأراضي السورية، في حال عدم تنفيذ مطالبها.
وبعد شدٍّ وجذب، وقّع الجانبان السوري والتركي الاتفاقية، وهي التي أقرّت تنازلاً سوريًا صريحاً عن لواء أسكندورن، الذي ضمته تركيا إلى أراضيها، عام ألفٍ وتسعمئةٍ وتسعةٍ وثلاثين، كما سمحت للجيش التركي بالتوغُّل مسافةَ خمسة كيلومترات، داخل الأراضي السورية، في حال شعرت أنقرة بأن أمنها القوميَّ مُهدّدٌ من حدودِها الجنوبية.
اتفاقُ أضنة اتفاقٌ أمني، شكّل ما يمكن تسميته نقطةَ تحوّلٍ رئيسة، في مسار علاقات دمشق وأنقرة، فتحوّلت من ذروة التوتر إلى تقارُبٍ تدريجي، ثم تعاونٍ استراتيجيٍّ أدى لتوقيعهما عشرات الاتفاقيات، في مختلِف المجالات.
الاتفاقية التي بقيت طيَّ الكتمانِ لسنوات، شاعَ منها الكثير مع بداية الحَراك الشعبي في سوريا، عام ألفين وأحد عشر، حتى أن ما كانَ يُهمَس به على أنه اعترافٌ رسميٌّ من دمشق، بتحوّل لواء أسكندورن إلى أرضٍ تركية، بات حديثاً علنياً على ألسنة العامة.
ولاحقاً اتخذها النظام التركي مطيةً للتوغل داخل الأراضي السورية، بعد فشل مشروعِهِ عبر تنظيم داعش، فكانت الخطوةُ الأولى عام ألفين وستة عشر، باحتلال ريف حلب، قبل أن تزداد شراهةُ الجيش التركي، ويحتلَ عفرين عام ألفين وثمانية عشر، وسري كانيه رأس العين، وكري سبي تل أبيض، عام ألفين وتسعة عشر.
تدخُّلٌ وافق تماماً أطماع ما تسمّى المعارضةَ المرهونة لأنقرة، فهي سمّت الاحتلالَ التركي مشروعاً بموجب اتفاقية أضنة، وأرضيةً مزعومةً لإنشاء ما أسمتها أنقرة المنطقة الآمنة.
ومع سعي موسكو لتطبيع العلاقات بين دمشق وأنقرة، ورغبةِ الأخيرة المتنامية في هذا الاتجاه، سلّطت الأضواء مجدداً على اتفاقية أضنة، لأن النظام التركي يطمع وفق مراقبين، بتعديل بنود وملاحق الاتفاقية، وخاصةً الملحق الذي يسمح له بالتوغل ضمن الأراضي السورية، مسافة خمسة كيلومترات، لتصبحَ ثلاثين كيلومتراً، ويفعل هذا التعديل على أرض الواقع، ضد الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، وهو المشروع المستهدف من أنقرة كما دمشق.
فهل سترضخ دمشق للضغوط الروسية، وتذعِنُ للأطماع التركية، أم أنها ستلجأ إلى الخيارِ الوطني، وتفضّل الحوارَ مع الإدارة الذاتية، التي قالت أكثر من مرة إنها جاهزة للتفاوض والحوار مع الحكومة السورية.
