بعد قطيعةٍ استمرت نحو ثلاثة عشر عاماً، يسعى النظام التركي منذ مدّة لاستعادة علاقاته مع الحكومة السورية على خلفية دعمه للفصائل المسلحة عقب احتجاجاتٍ شعبية شهدتها سوريا منتصف آذار/مارس من العام ألفين وأحد عشر، وذلك قبل أن يتدخل عسكرياً ويحتل مناطقَ من شمال غرب البلاد وشرقها.
احتلال تركيا مناطق في الشمال السوري ودعمها للفصائل الإرهابية هناك كان ضربة قاضية للاحتجاجات السلمية المطالبة بالحرية وتحسين الأوضاع المعيشية في البلاد، وهو ما فتح الباب على مصراعيه بحسب مراقبين للالتفاف على مطالب السوريين وتصوير تلك الاحتجاجات على أنها تدخلات خارجية، ولم يقف الأمر بها ها هنا، بل عملت جاهدةً على دعم تنظيم داعش الإرهابي في سوريا لا سيما في مدينة كوباني شمال البلاد.
النظام التركي بعد أن أفسد على السوريين أيَّ إصلاح أو تعديلٍ محتمل، استقطبَ اللاجئين السوريين؛ فكانوا له البقرة الحلوب قبل أن يضيق بهم ذرعاً، حيث استخدمهم كورقة ضغط على الجانب الأوروبي فكسب أمولاً طائلة، ولكن بعد أن كشف الداخل والخارج خططه في هذا الاتجاه أصبح شغله الشاغل إعادتهم إلى بلادهم تحت أي ثمن كان، وهذا بحسب مراقبين من بين الأسباب التي دفعت أنقرة للتقارب مع دمشق بعد كل ذلك العداء.
محاولات التطبيع بين أنقرة ودمشق أثارت حالةً من الاستياء بين السوريين وسط تساؤلاتٍ عن هدف تركيا من وراء تلك المحاولات.. إلا أن مراقبين أشاروا إلى أن هدفَها الأول هو ضرب المكونات السورية ببعضها ولا سيما بعد النجاح الذي حققه مشروع الإدارة الذاتية شمال شرقي البلاد، والذي أصبح هاجساً يغضُّ مضجعَ أنقرة على الدوام؛ إذ يرى فيه حالمو العثمانية خطراً يهدد المشروع العثماني بالسيطرة على المنطقة من جديد.
ومن جانبها أصدرت الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا بياناً استنكرت فيه تصريحات رئيس النظام التركي رجب أردغان بشأن “المصالحة” مع دمشق ووصفتها بأنها مؤامرةٌ كبرى على الشعب السوري بكافة أطيافه، معتبرةً أن أي اتفاق مع تركيا يمثل تهديداً لمصلحة السوريين عامة، ومؤكدة في الوقت نفسه أن التقارب مع تركيا لن يفضي إلى أي نتائج إيجابية؛ بل سيزيد من تفاقم الأزمة السورية وينشر الفوضى.
مراقبون ومختصون بالعلاقات السورية التركية كذلك ذهبوا إلى أن تقارب أنقرة ودمشق تحولٌ سياسي عابر دون رؤية مستقبلية واضحة، أي إن إعادةَ العلاقات بين سوريا وتركيا أمرٌ صعب جداً بسبب الظروف المحيطة والمعطيات والوقائع التي أنتجتها السياسة التركية على مدى ثلاثة عشر عاماً من القطيعة والحرب، وهو ما تمثل أخيراً بانسحاب وفد الحكومة السورية من اجتماعٍ لجامعة الدول العربية لدى الإعلان عن كلمة وزير خارجية النظام التركي حقان فيدان، في موقف وَصَفَ حجم الهوَّة بين أنقرةَ ودمشق.
