في مشهد جديد يُضاف إلى سجل العبث السياسي في تركيا، تحولت قبة البرلمان إلى حلبة مصارعة، حيث تحولت النقاشات الحادة إلى اشتباكاتٍ عنيفة، وتلطخت أرضية المؤسسة التشريعية بقطرات الدم، فهل هذا هو الوجه الحقيقي للديمقراطية التي يتغنى بها الحزب الحاكم؟ أم أننا أمام مسرحية هزلية، أبطالها نواب يرتدون بذلات، لكنهم يتصرفون كأطفال في الروضة؟ يتساءل مراقبون.
ففي خضم جلسة حامية الوطيس حول مصير نائب معارض مسجون، اندلعت شرارة العنف بين نواب الحزب الحاكم والمعارضة. لم يتردد النواب في استخدام القوة البدنية، وتحولت قاعة الجلسات إلى ساحة معركة، حيث تبادل النواب اللكمات والضربات، وتطايرت الأوراق والمستندات في كل مكان.
وسائل إعلام محلية، أفادت بأن الشجار اندلع عندما قام النائب ألباي أوزالان، عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، بتوجيه لكمة إلى النائب المعارض أحمد سيك، بينما كان الأخير ينتقد الحكومة بشأن النائب المعتقل جان أتالاي، مشيرةً إلى تدخل نواب آخرين ما أدى إلى شجار عنيف بين عشرات النواب استمر قرابة نصف ساعة.
هذه الحادثة أثارت موجةً من الاستياء والاستنكار في الأوساط السياسية والشعبية. فقد عبّر رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض أزغور أوزيل، عن شعوره بالخجل من هذا المشهد المشين، ودعا إلى عقد اجتماعٍ طارئ لقيادة الأحزاب السياسية.
من جانبه، ندد حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب بهذا الاعتداء، واعتبره دليلاً واضحاً على أن الحزب الحاكم لا يحترم القانون ولا المؤسسات الديمقراطية في البلاد.
وتمّ تعليق الجلسة البرلمانية التي كان من المقرر أن يُدرس خلالها قرار المحكمة الدستورية بشأن استعادة ولاية المحامي جان أتالاي، الذي انتُخب في أيار / مايو، ألفين وثلاثة وعشرين، من زنزانته وتم تجريده من ولايته البرلمانية في كانون الثاني / يناير لعام ألفين وأربعة وعشرين.
تعود جذور هذه الأزمة إلى اعتقال النائب المعارض جان أتالاي عن حزب العمال التركي “يسار” في نيسان / أبريل، ألفين واثنين وعشرين، وحكم عليه بالسجن، ثمانية عشر عاماً، بذريعة السعي مع رجل الأعمال عثمان كافالا، المحكوم عليه بالسجن مدى الحياة، للإطاحة بالحكومة وهو اتهام يرفضه بشدة. وقد أصدرت المحكمة الدستورية قرارين بالإفراج عنه، إلا أن الحكومة تجاهلت هذه القرارات، مما أدى إلى تصعيد التوتر السياسي.
يشير هذا الحدث إلى عمق الانقسام السياسي في تركيا، وتدهور الأوضاع الديمقراطية في البلاد. فبدلاً من الحوار والنقاش، يلجأ النواب إلى العنف للتعبير عن آرائهم، مما يهدد استقرار البلاد ويهدد بتعميق الأزمة السياسية.
إن ما حدث في البرلمان التركي هو مؤشر خطير على تراجع قيم الديمقراطية واحترام القانون في النظام الحالي. فهل ستتمكن تركيا من الخروج من هذه الأزمة، أم أننا سنشهد المزيد من المشاهد المشينة في المستقبل؟
