الانخراط التركي غير المباشر عبر تقديم الدعم لشريكتها أذربيجان في محاربة الشعب الأرمني الأصلي المتمركز في إقليم آرتساخ جنوبي القوقاز بتاريخ 27 سبتمبر/أيلول 2020، والدعم التركي الكبير في تدريب وتسليح وتقديم الدعم اللوجستي لعناصر تنظيم داعش الإرهابي الذين سلطتهم على مناطق شمال وشرق سوريا لترتكب بحق القرى الأرمنية فيها مجازر مروعة، إلى جانب ما ارتكبته بحق المكونات الأخرى في المنطقة عند سيطرتها على أجزاء واسعة منها بدءاً من عام 2014..

ماهي إلا سياسة شوفينية ورثها حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب أردوغان، بحسب الباحثين والمراقبين الأرمن، عن سلوك الكي التتري البربري الذي جاء مع المغول، فارتكبت السلطنة العثمانية في أواخر عهدها مجازر واسعة بحق المكونات الأصلية في الجغرافية التي سيطرت عليها وبالدرجة الأولى الأرمن ليأتي بعدها وريثها في السلطة حكومة الاتحاد والترقي ويرتكب إبادة جماعية بحق الشعب الأرمني.
بدأت معالم هذه الإبادة بشكل كبير مع تنفيذ حكم الإعدام بحق المئات من مثقفي وأعيان الأرمن بتاريخ 24 أبريل/نيسان 1915م، بعد أن جمعتهم السلطات العثمانية ورحلتهم من القسطنطينية إلى ولاية أنقرة بقصد إعدامهم هناك.
حكومة الباشوات الثلاثة المنتمين إلى الاتحاد والترقي، طلعت باشا، أنور باشاً، وجمال باشا، وسّعت نطاق المجازر بحق الأرمن ووضعت خطة على مرحلتين خدمة لسياسة التتريك التي كانت أولوية لحكمها تركيا.
أعلنت حكومة الاتحاد والترقي قانون التهجير فقتلت الذكور البالغين من الأرمن جماعياً وأجبرت النساء والأطفال والشيوخ على المشي في مسيرات موت تمتد إلى بادية الشام بين عامي 1915 و1916م حيث تعرضوا لويلات النهب وعمليات الاعتداء الجنسي.
التقديرات تقول إن عدد من أجبر على هذه المسيرات يصل إلى مليون ومئتي أرمني، مئتان فقط منهم بقوا على قيد الحياة.
الصحفي والدبلوماسي السابق، حامو موسكوفيان، وهو أحد أفراد عائلته الذين ينتمون إلى الجيل الثالث من الإبادة كما يصنف نفسه لنا، عاش في فلسطين بعد أن انتقل والده إليها من لواء إسكندرون بشمال غرب سوريا المحتل حالياً من قبل تركيا.

في فلسطين عمل والده وبنى اقتصاداً هناك لكنه اضطر للهجرة إلى لبنان بعد أن هُدم مبناه في عام 1947بسيارة مفخخة تابعة لإسرائيل حسب قول موسكوفيان.
اليوم ما يؤرق السيد موسكوفيان هو ضعف الالتفاف الأرمني حول قضية الإبادة التي تعرض لها شعبه، فوفقاً لوجهة نظره، عدم الالتفاف حول القضية الأرمنية كان عاملاً مساهماً في نشوب الحرب على إقليم آرتساخ في 2020، واستخدام تركيا للإرهابيين من أجل القضاء على الوجود الأرمني في قرى شمال وشرق سوريا في عام 2014.

حامو موسكوفيان ـ صحفي ودبلوماسي سابق
عدم الاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية هو تشجيع لتركيا للاستمرار بهذه السياسة حسب ما يؤكد لنا المحلل والباحث السياسي الأرمني من لبنان سيروج أبيكيان، مستدلاً في حديثه بمشاركة تركيا في دعم حرب أذربيجان على الشعب الأرمني في إقليم آرتساخ.

سيروج أبيكيان ـ محلل وباحث سياسي أرمني
يوافق موسكوفيان رأي سيروج أبيكيان مؤكداً بدوره أن عدم الاعتراف التركي بالإبادة الجماعية الأرمنية هو استمرار لتهديد الوجود الأرمني وأن تركيا لا تزال تحارب وبشكل غير مباشر التعدد القومي والإثني مستحضراً لنا مثال دعم تركيا لهجوم تنظيم داعش الإرهابي على سنجار بشمال غربي العراق من أجل إبادة الشعب الإيزيدي في 2014.
مصادر تاريخية مختلفة تقول إن فرص النجاة من الإبادة وسط عدم التسليح والتنظيم العسكري للأرمن، الذين لم يتجهزوا يوماً لواقع مأساة تتسبب به الحكومة التي بقوا مخلصين لها دائماً، لم تكن سوى بالتحول إلى الإسلام.
يشكل مشهد الصحراء المحيطة بمنطقة دير الزور شمال شرقي سوريا أحد أكبر الهواجس لدى موسكوفيان عندما يتأملها من نافذة الطائرة في حالات سفره بقصد العمل، فالمشهد يثير في خياله تفاصيل مسيرات الموت التي قاسها أجداده وشعبه، خاصة من مات منهم ودفن في مركدة بدير الزور ولم يسلموا من البطش حتى بعد مضي عقود طويلة على موتهم جوعاً وعطشاً؛ إذ ارتكب تنظيم داعش الإرهابي جريمة تفجير هذه المقبرة والكنيسة التي أقيمت من أجل الدعاء بالسلام للضحايا الأرمن.
هذه الذاكرة هي التي جعلت من موسكوفيان يتشبث بقضيته وأن يخوض نضالاً من أجلها ويسعى لتنظيم حركات ومجموعات ضغط بقصد مناصرتها خلال مسيرة حياته.

حسب رأي سيروج أبيكيان فإن ما يمنع وحدة نضالات ومساعي قوى الأرمن الساعية إلى الاعتراف بالإبادة في العالم هي سياسات الدول الكبرى وأجنداتها التي تؤثر بالضرورة على توجه نشاطات الأرمن في الشتات.
هزيمة العثمانيين في حربهم مع روسيا القيصرية بين 1768-1774 وخسارتهم جزءاً كبيراً من الأراضي التي كانوا يحكمونها في شمال البحر الأسود، وظهور المسألة الشرقية التي عنيت بالتحالفات والإستراتيجيات حول كيفية تقاسم أملاك الدولة العثمانية في حالة انهيارها، إلى جانب خساره الدولة العثمانية معظم أراضي البلقان شكّلت بمجملها دوافعَ للسلطات العثمانية لارتكاب الإبادة الجماعية بحق الأرمن من أجل تعزيز النفوذ التركي فيما تبقى له من مساحة.

عرف الأرمن إبان مرحلة السلطنة العثمانية بالملة المخلصة؛ إذ لطالما كان لهم الدور البارز علمياً واقتصادياً في ازدهار السلطنة، ومع كل التغيرات التي شهدتها مرحلة انهيار الدولة العثمانية والثورات التي قامت حينها اكتفى الأرمن بمطالب الإصلاحات ومعاملتهم كمواطنين عثمانيين لا مواطنين من الدرجة الثانية خاصة بعد أن بدأت السلطنة بمعاملتهم بطريقة غير لائقة وضاعفت الضرائب المترتبة عليهم.

فيرا يعقوبيان ـ مديرة الهيئة الأرمنية بالشرق الأوسط
من أجل ارتكاب الإبادة على نطاق واسع سعت حكومة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ومن بعده حكومة الاتحاد والترقي في البداية إلى تعبئة المكونات الموجودة في نطاق أراضيها ممن تعتنق الإسلام عسكرياً، من خلال نشر دعاية أن الأرمن كفار وقتلهم أمر محلل وأن ذلك يعتبر جهاداً.
مديرة الهيئة الأرمنية بالشرق الأوسط، فيرا يعقوبيان، أوضحت لنا أن ما يترتب على تركيا في اعترافها بالإبادة الأرمنية هو تعويضها الشعب الأرمني عن كل الخسائر البشرية والمادية التي لحقت به منذ عام 1915 إلى اليوم؛ وذلك من شأنه بحسب فيرا أن يهز الدولة التركية ويخضعها للاعتراف بوجود شعوب أصلية في المنطقة، وذلك ما ترفض تركيا الاعتراف به خاصة مع تشبثها بسياسة الهوية التركية البحتة إلى الآن.
بالعودة إلى التاريخ فإن وفداً أرمنياً حضر مؤتمر باريس للسلام المنعقد عام 1919، وقدم الوفد إعلاناً مشتركاً أعده الزعماء الدينيون للجالية الأرمنية إلى المجلس الأعلى للمؤتمر.
بحسب الإعلان فإن :
ـ الحكومة العثمانية قد دمرت 2,000 كنيسة وقرابة 200 دير وطالبت بتعويض لها، مقيمةً الخسائر المادية التي تعود ملكيتها فقط للكنيسة الأرمنية، بما يقدر اليوم بنحو 52 مليار دولار.
ـ كما قدم الإعلان تقييماً مالياً للخسائر الكلية للممتلكات الشخصية والأصول الخاصة بكل من أرمينيا التركية والروسية وبلغ مجموعها ما يقدر بنحو 339 مليار دولار اليوم.
وطالب بإعادة الممتلكات المملوكة للكنيسة الأرمنية وسداد إيراداتها المتولدة، لكن الحكومة العثمانية حينها لم تقم بالرد وتستمر تركيا، وريثة السلطنة، بالموقف عينه إلى الآن.
