رفضاً للقمع الحقوقي الذي طالَ النساء العاملات تحديداً مع هيمنة النظام الرأسمالي، أَضربت عام 1908 عاملاتُ معمل نسيجٍ في مدينة نيويورك الأمريكية عن العمل، وخرجن في مَسيرةٍ احتجاجيةٍ مطالباتٍ بتقليل ساعات العمل وتحسين الأجور، وسرعان ما انضمّت إليهن النساء من الطبقة الوسطى، مطالباتٍ بحق التصويت في الانتخابات.
إحياءً لذكرى هذا الاحتجاج أقرَّ الحزبُ الاشتراكي الأمريكي عام 1909 يومَ الثمن والعشرين من شباط فبراير، يوماً وطنياً للمرأة في الولايات المتحدة، وتلك كانت أول بادرةٍ لتخصيص يومٍ يُكرِّم نضالات المرأة في المطالبة بتحصيل حقوقها.

أسوةً بالأمريكيات خرجت النساء في أماكنَ مختلفةٍ من أوروبا للمطالبة بتحسين أوضاعهن، لذا طالب المؤتمر الدولي للنساء الاشتراكيات المنعقدُ في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن عام 1910بتحديد يومٍ دولي للمرأة.
في العام التالي بتاريخ التاسع عشر من آذار مارس، انطلقت عدة مسيراتٍ نسائيةٍ في أوروبا شكّلت أولى مظاهرِ الاحتفال بيوم المرأة، وتركزت المطالبُ فيها على حق المرأة في العمل ومناهضة التمييز.
واحتجاجاً على الحرب العالمية نظّمت النساءُ في عدة مدنٍ أوروبيةٍ بتاريخ الثامن من آذار مارس من عام 1914 مسيراتٍ تطالب بالسلم.
بعد الحرب العالمية الثانية استمر الاحتفال بالثامن من آذار /مارس في عدة بلدانٍ إلى أن أقرّت الأمم المتحدة في عام 1975 الثامن من مارس /آذار من كل عامٍ رسمياً، يوماً عالمياً للمرأة.
بهذه المناسبة نُلقي الضوءَ على واقع المرأة الآن في عدة دولٍ من العالم بمشاركة ناشطاتٍ نسويات..
البدايةُ مع المرأة الكردية التي صنعت ثورة المرأة في شمال وشرق سوريا، والتي نظمت الحياةَ الاجتماعية ابتداءً من الكومين، وعملت على تقليص الصعوبات والتحديات أمام نظيراتها من المكونات الأخرى في المنطقة، فاستطعن يداً بيد أن يؤدين دورهُنَّ في تنظيم وإدارة الحياة الاقتصادية والسياسية.
ولا يخفى على أحدٍ اليوم أن المرأة الكردية أحرزت رقماً صعباً في النضال العسكري، لمشاركتها في الصفوف الأمامية ضمن الحملات والمعارك التي دارت في المنطقة، سواءٌ ضد الإرهابيين أو المحتلين.
وتقول الإدارية في منظمة سارة لمناهضة العنف ضد المرأة، نصرية بدران، إن المرأة الكردية لاتزال مستمرةً في نشاطها الثوري، ونجحت في تجاوز الأزمة باعتبارها المدبرة في المنزل وباعتبارها المساهمة والمؤسِّسة للمشاريع الاقتصادية في المنطقة، سواءً منها الخاصة بالمرأة أو تلك العامة، وأحرزت التقدمَ في النضال الحقوقي الاجتماعي والسياسي والدبلوماسي، واليوم تحفظ لها مكاناً في الرئاسة المشتركة بكل دوائر الإدارة الذاتية في إقليم شمال وشرق سوريا.

نصرية بدران ـ إدارية في منظمة سارة لمناهضة العنف
“المرأة شاركت في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية وأحرزت النجاحات في كل تلك المجالات، وإلى الآن هذه النجاحات في تقدم. وهي دائماً تثبت نفسها، فسياسياً اليوم المرأة الكردية متواجدةٌ في المحافل الدولية، وعززت العلاقات الدبلوماسية مع دول العالم، وأيضاً من الناحية العسكرية فمثلاً الرفيقة نسرين عبد الله دخلت بزيّها العسكري إلى قصر الإليزيه، حيث لم يدخل إلى ذلك القصر أي أحدٍ بالزي العسكري، لكنها هي دخلت بالزي العسكري، واليوم وأمام مرأى الجميع نجد أن الجميع يُقبل للاطلاع على تجربة المرأة الكردية في المنطقة، ليستفيدوا من استراتيجياتها في العمل الدؤوب لأكثر من اثني عشر عاماً من الثورة، ودائماً يتساءلون كيف بإمكاننا تسيير أمورنا الحياتية اليومية إلى جانب التقدم الثوري عائلياً واجتماعياً ودبلوماسياً، هذا يجعلهم في حالة دهشة، إنهم يحملون ما يرونه هنا من تجارب إلى بلدانهم”
ومن المكون العربي شاركتنا نقشية خليل إداريةُ مجلس المرأة السورية فرع منبج، وأكدت أن المرأة العربية في شمال وشرق سوريا حققت إنجازاتٍ غيرَ مسبوقةٍ نحو كسر المفاهيم التقليدية سياسياً ومجتمعياً، وأن النساء حظين بالنصيب الأكبر من النصر في ثورة المنطقة، بتحصيلهِنَّ حقوقاً متساويةً مع الرجال، أهّلتهُنَّ للخوض في غمار مجالات الحياة المختلفة.

نقشية خليل ـ إدارية في مجلس المرأة السورية فرع منبج
بدورها أشادت من المكون السرياني السيدة نظيرة كورية، الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد السرياني السوري، بمشاركة النساء السريانيات في ثورة المرأة بشمال وشرق سوريا، منذ بداية تأسيس الإدارة الذاتية، ومشاركتهن في تدوين العقد الاجتماعي للمنطقة، خاصةً الجزءَ المتعلق بصياغة وتدوين القوانين الناظمة لحقوق المرأة منه.

نظيرة كورية ـ الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد السرياني السوري
ومن كل بُدٍّ فإن رياحَ ثورة المرأة في شمال وشرق سوريا تدفعنا للانتقال إلى واقع المرأة الإيرانية، التي خاضت مؤخراً حَراكاً نسوياً رفعت فيه شعار ثورة المرأة “المرأة الحياة الحرية”، والذي انفجر بعد مقتل الشابة الكردية جينا أميني على يد ما تُسمّى شرطةَ الأخلاق في إيران بتاريخ السادس عشر من أيلول سبتمبر من عام 2022.
الناشطة النمساوية من أصل إيراني، مينا أحدي، في حديثها إلينا، اعتبرت أن الدول مثل إيران وأفغانستان والسعودية والسودان، هي نماذجُ للفصل العنصري بين الجنسين، إذ لا تزال الملايين من النساء في هذه البلدان تُقاسي القمعَ والاضطهاد، بسبب التضييق على الحريات كحرية التجوّل في الشوارع أو ارتياد العمل، وحرية اتخاذ قراراتهن الشخصية.
يضاف إلى هذا بحسب الناشطة، العادات والقوانين الظالمة من قَبيل جرائم القتل ما تُسمّى الشرف وعقوبة الإعدام والرجم وفرض الحجاب بالقوة، وهو ما ضاقت به النساءُ الإيرانيات ذرعاً، فخُضنَ قبلَ عامين حركةً احتجاجيةً كبيرةً هناك باسم (المرأة, الحياة, الحرية) لمناهضة القوانين التي لا تعترف بالمرأة كإنسان، بل كشيءٍ مملوك.

مينا أحدي ـ ناشطة نسوية نمساوية ذات أصل إيراني
” يمكنك تخيل كيف يمكن لامرأةٍ في القرن الحادي والعشرين وتتواصل مع العالم الخارجي عبر هاتفها الجوال وداخل المنزل، يتم إجبارها أو منعها من القيام بالكثير من الأمور, فإن ذلك سيعني استمرار وجود حركات نسوية احتجاجية، ليس فقط في إيران بل في العديد من الدول.
في إيران أعتقد أن الحركة النسائية أكبر من مثيلاتها في الدول الأخرى, لأن الحركة النسوية قديمة هناك, فعندما فرض الخميني قانون الحجاب الألزامي, خرجت الآلاف من النساء إلى الشوارع للاحتجاج. فالحركة هناك متقدمة وتقوم النساء بالنضال ضد الكثير من القوانين.
أيضاً في أفغانستان نشهد وجود حركةٍ احتجاجيةٍ كبيرة. وهذا يعني أن النساء دائماً قاومنَ في سبيل تحصيل حقوقهن. لكن بعد مقتل جينا أميني ظهرت حركةٌ احتجاجيةٌ كبيرة جداً والتي كسبت الكثير من التعاطف.
يجب أن نرى أن العادات والتقاليد في الدول الإسلامية تكون عائقاً أمام تقدم النساء، وبعض أفراد العائلة غالبًا ما يكونون عائقًا, وأحيانًا يكون العائق عبارة عن قوانين رسمية. فالنساء مثلا يجدن صعوبةً في إيجاد العمل في إيران, أو أن أغلبية المجالات محظورةٌ على النساء. في إيران درست الكثيرُ من النساء في الجامعات، ولكنهن لا يستطعن إيجاد العمل.
العوائق كثيرةٌ هناك, مثل القانون الذي يلزم النساء بارتداء الحجاب في كل مكان. أو عدم السماح للنساء في الدخول إلى عالم السياسة. كما أنه يجب على النساء عدم رفع أصواتهن في مكان العمل. كل هذه العوائق موجهةٌ بشكلٍ خاصٍّ ضد النساء.”
في العراق ليس وضع النساءِ على خير ما يرام، في ظل ما تشهده البلاد من فوضىً سياسيةٍ وأمنية، ترتبت عليهما تأثيراتٌ سلبيةٌ اقتصادية، وبالتالي اجتماعية، انعكست بالدرجة الأولى على المرأة العراقية التي هي بأمسِّ الحاجةِ اليومَ إلى الارتقاء على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تبدأ ربما بتوفير الضمانات الاجتماعية لها والرعاية الاجتماعية، وتوفير فرص العمل، وصولاً إلى دخول المرأة المعتركَ السياسي في البلاد، كخطوةٍ أولى لممارسة الديمقراطية، خاصةً مع الغياب الملحوظ للمرأة على طاولة المفاوضات السياسية.
رغم ذلك تتفاءَلُ الإعلاميةُ الدكتورة حرمان المالكي، المدربة الدولية للتنمية البشرية بمستقبل المرأة العراقية، مع وجود بوادرِ أملٍ على صعيد حماية المرأة حقوقياً.

د.حرمان المالكي ـ إعلامية عراقية ومدربة دولية للتنمية البشرية
بالانتقال إلى لبنان، فالحركة النسوية فيه وكما هو معلومٌ خاضت نضالاً تراكمياً، بدأ من عشرينيات القرن الماضي، بمطالبَ أساسيةٍ تمحورت حول حق التعليم والعمل للمرأة، وتطوّر في الأربعينيات إلى المطالبة بحق الترشُّحِ وحق الانتخاب مع بروز مظاهر انخراط الحَراك النسوي بالأحزاب، تحديداً اليسارية والعلمانية منها، واستمر ذلك إلى مرحلة ما قبل الحرب الأهلية.
فيما بعد برز النشاط النسوي بطريقةٍ جديدةٍ عبر الجمعيات والمؤسسات، التي كان أبرز مطالبها آنذاك، مناهضةَ العنف.. وبحسب الصحفية ميريام سويدان فإن الفوضى السياسية والأزمة الاقتصادية القائمة في لبنان اليوم، كان لها أثرٌ سلبيٌّ على سوية النضال النسوي.

ميريام سويدان ـ صحافية وناشطة نسوية لبنانية
في مصر توجهنا إلى إحدى مؤسسات المجتمع المدني المعنية بمناهضة العنف، للاطلاع على برامج عملها في بناء الوعي المجتمعي حول العنف، من خلال تعريفه وتحديد أسبابه وطُرُقِ معالجة المعضلة، من أجل الحد من جرائم العنف التي تطالُ النساء المصريات .
نورا محمد مديرة برنامج مناهضة العنف ضد المرأة في مؤسسة قضايا المرأة المصرية، أطلعتنا على محاور حلقات بحثها التي تركزت على أهمية الدعم والمساندة القانونية والنفسية وتقديم الاستشارات لضحايا العنف.

نورا محمد ـ ناشطة في مؤسسة قضايا المرأة المصرية
تتفق الناشطاتُ النسويات ممن تواصلنا معهن، على ضرورة اتحاد النساء مع بعضهن البعض حول العالم، وضرورة مساندة ودعم هذا الاتحاد أو التنظيم تحت أي مُسمىً كان، لنضال النساء ـ حيثما وجد ـ من أجل تحصيل حقوقهن، انطلاقاً من مبدأ أن تقدم المجتمعات وارتقاءها يبدأ عند حرية المرأة.

آماليا بووش ـ ناشطة اجتماعية روسية
“المرأة في روسيا تتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها الرجل، والمرأة هنا تفتح لها كل الأبواب ولديها كل الاتجاهات التي تسمح بتطورها. يمكنها أن تكون طبيبة، أو معلمة، أو رائدة فضاء، أو سياسية، ويمكن للمرأة في روسيا أن تدرُس وتُدَرِّس ،،، ولكن في العديد من مناطق عالمنا هناك مشكلة تتمثل في التمييز والانتهاكات ضد المرأة. وهذه المناطق مثل ما يحدث في باكستان وأفغانستان ، على سبيل المثال، ولا ينبغي للمرأة أن تتحمل هذا، لأن المرأة هي استمرارٌ لكل أشكال الحياة على الأرض. لديها استمرارية الأسرة. ولذلك يجب علينا أن نحارب هذا.
على سبيل المثال، يجب على النساء أن يتّحدن في منظمات، ويجب أن يمتلكن أدلةً على تعرضهن للتمييز والعنف . يجب عليهن إظهار الدليل في أعلى مستوى، ضمن الحكومة وصولًا إلى أعلى مستوى في العالم. على سبيل المثال، في الأمم المتحدة ، لا ينبغي لنا أن نبقى صامتين.
وعلينا كنساء أن ندعم بعضنا البعض ونساعد بعضنا البعض بهذه الطريقة. سنحقق العدالة في هذا العالم، وسيبدأ احترام المرأة وأخذ رأيها بعين الاعتبار، لذا عزيزاتي الفتيات والنساء العزيزات يجب أن يكون لنا حقُ رفعِ أصواتنا، يجب ألا نبقى صامتات، و سوف ننجح.”
ويبقى الثامن من آذار يوماً رمزياً تُراجع فيه المرأة تاريخَ نضالها.. تخلّد فيه الأيقونات النسوية حول العالم.. تستخلص العبر والدروس وترسم استراتيجيات أهدافها، لذا قد تذهب مظاهرُ الاحتفال بهذا اليوم احتجاجاً أو تكريماً، لكنه بالتأكيد إعادةُ شحنٍ للطاقة النسوية تحت شعارٍ مُتجددٍ كلَّ عامٍ يمثل صوت المرأة.
