على بعد نحو مئة وخمسة وعشرين كيلومتراً من مدينة حلب شمالي سوريا، تقع مدينة جرابلس أو كما كانت تعرف بكركميش، على الضفة اليمنى لنهر الفرات، التي تحيط بها مسيلات مائية من الشمال والجنوب، تنحدر نحو الشرق باتجاه النهر، الذي يعد أحد أبرز معالم جرابلس الطبيعية، إلى جانب كثير من المعالم القديمة والأثرية، جعلت المدينة حاضرة شاهدة على الماضي العريق لجرابلس.

كانت جرابلس أو كركميش التاريخية عاصمة للدولة الحثية في الألف الأول قبل الميلاد، وحملت المدينة تسميات عديدة منها هيرابوليس أو إيرابوليس أو بيمكبيس خلال العصور التاريخية، وفقاً لما ورد في نصوص إيبلا من الألف الثالث قبل الميلاد.
خضعت جرابلس لحكم العديد من الإمبراطوريات منها البابلية والآشورية والفارسية والحكم الهلنستي ثم تقلبت عليها عصور الإمبراطوريات المسلمة التي سادت بين الشام والأناضول.
تمتاز المدينة بالعديد من المعالم الأثرية العريقة، منها المسجد الكبير المعروف بمئذنته المميزة، و كنيستان قديمتان تعكسان حقبة عريقة لتلك المدينة بالإضافة للسوق المسقوف ومحال تجارية تعود لعشرات السنين.
المدينة تميزت منذ القدم بصناعات عديدة أبرزها النسيج والذهب، وتلك كانت حرف سكانها الأرمن قبل أن يهاجروا إلى الدول المجاورة.
نهر الفرات جعل من الزراعة مصدر دخل لأهالي مدينة جرابلس وكذلك الثروة السمكية، وتشتهر المدينة بزراعة القمح والقطن والذرة وبعض الأشجار مثل الفستق الحلبي والزيتون.
وتتميز جرابلس بنسيج اجتماعي منوع من العرب والكرد والتركمان وكان عدد سكانها قرابة 25 ألف نسمة قبل ان يتضاعف هذا الرقم مع اندلاع الأزمة السورية عام ،2011 نتيجة عمليات التهجير والنزوح من باقي المناطق السورية.

انخرطت مدينة جرابلس في الأزمة السورية مثل باقي المناطق السورية ضد نظام الرئيس بشار الأسد منذ بدايتها، وتم طرد قوات الحكومة من المدينة في يوليو/تموز ،2012 على يد الفصائل المسلحة، إلا أن سيطرتهم لم تدم طويلاً حيث شن تنظيم داعش الإرهابي هجوما على المنطقة انتهت بسيطرته الكاملة عليها في سبتمبر أيلول عام .2013
المدينة شكلت أهمية كبرى لدى عناصر التنظيم الإرهابي إذ استخدمها كبوابة رئيسية لدخول الأجانب القادمين عبر تركيا للالتحاق بصفوف التنظيم، عمليات دخول الإرهابيين إلى الأراضي السورية كانت تجري بتسهيلات وتوجيهات مباشرة من استخبارات النظام التركي، وهو ما وثقته مشاهد مسربة تظهر فيها مصفحات تركية تنقل عناصر التنظيم إلى الحدود وتشرف على عمليات إدخالهم إلى سوريا.
في عام 2016 عمد النظام التركي للدخول إلى الأراضي السورية بذريعة محاربة تنظيم داعش الإرهابي في المنطقة الممتدة من جرابلس غرب الفرات إلى أعزاز، فأطلق في 24 آب 2٠١٦ مع الفصائل الإرهابية التابعة له هجوماً لاحتلال المنطقة خلف مئات الضحايا من المدنيين وتسبب بتهجير الآلاف واستمر لغاية آذار ،2017 حيث أصبحت كامل منطقة جرابلس تحت سيطرة الاحتلال التركي والإرهابيين التابعين له.
سيطرة الاحتلال التركي على مناطق في الشمال السوري بدءا بجرابلس جاء على حساب مدينة حلب التي كانت تخضع لسيطرة الفصائل المسلحة آنذاك، فحلب كانت ضحية صفقة مقايضة عراباها أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث اتفق الطرفان على سحب الفصائل المسلحة من حلب مقابل السماح له بإطلاق عملية عسكرية لاحتلال جرابلس، وعلى إثره انسحبت الفصائل من كافة أحياء المدينة في تاريخ 13 كانون الأول عام .٢٠١٦

الاتفاق بين الجانبين نص على انسحاب الفصائل وعوائلهم إلى مدينة جرابلس بموجب صفقة المقايضة أعقبتها صفقات أخرى منها مقايضة الغوطة الشرقية والجنوب السوري وريف حمص مقابل احتلال النظام التركي وفصائله الإرهابية مدينة عفرين في شمال غرب سوريا. عام 20١8

أهداف النظام التركي من احتلال جرابلس لم تكن كما تذرع بشأن قتال تنظيم داعش بل لاحتلال الأراضي السورية، وتحقيق مخططات أخرى على رأسها محاربة مشروع الإدارة الذاتية وضرب تجربتها الديمقراطية وفصل مناطقها عن بعضها في شمال سوريا، وقد شكل الاحتلال التركي لمدينة جرابلس تغييرا في معادلة توازنات القوى في سوريا وعزز دور النظام التركي وغاياته الاحتلالية بل وعقد تفاهمات حول سوريا قبل بموجبها ببقاء الأسد في السلطة كجزء من الحل مقابل موافقة روسيا على نفوذ تركي في أراضي الشمال السوري عبر صفقات مشتركة تفرض الانسحاب على الفصائل الإرهابية التابعه له من مناطق سيطرتها وحرف بوصلة القتال ضد الحكومة السورية نحو المناطق التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية.

سياسات المقايضة جرت عبر الترويكا الإستاني روسيا تركيا إيران ومن ثم سوتشي في صيغة الدول الضامنة، هذا المسار كشف بشكل علني التحول في سياسة النظام التركي عندما توصلت إلى اتفاق مع روسيا على تغيير تسلسل خطوات حل الأزمة السورية بموجب القرار الأممي 2254 ، حيث تجاوزت نقطة الحكم الانتقالي إلى خطوة تشكيل ما تسمى اللجنة الدستورية
الاحتلال التركي لجرابلس كان الحلقة الأولى من مسلسل معاناة السوريين الذين انتفضوا ضد الحكومة السورية متطلعين لغد أفضل أكثر أمناً واستقراراً، فقد عمل النظام التركي على حرف مسار الحراك الشعبي السلمي وجعل الكثير من أبنائه مرتزقة تحارب وفق أجنداته الاحتلالية في الخارج والداخل السوري، ومن البلد رهينة للفوضى والدمار.

مدينة جرابلس كغيرها من المناطق المحتلة تعيش في حالة عدم الاستقرار والفوضى في ظل استمرار عمليات القتل والخطف ونهب الممتلكات من قبل الفصائل الإرهابية بمباركة من الاحتلال التركي الذي يستثمر في تنامي الفوضى وإشاعتها لصالحه كأحد أساليبه لزرع حالة الاقتتال بين الفصائل واستخدام عمليات القتل والتصفية كوسائل تيسر عملية التخلص من تلك الأدوات حينما تستدعي الحاجة
النظام التركي لم يكتفِ بخطف تطلعات الشعب السوري للحرية فحسب، بل عمل على استهداف العمق الحضاري والتاريخي في شمال سوريا الغنية بإرثها التاريخي والحضاري وذلك بغاية تدميرها لطمس معالم المنطقة التي تدل على هوية السوريين الأصلية، عبر نبش المواقع الأثرية والتلال والمزارات الدينية ونقلها إلى متحافه والإتجار بها بدءا بجرابلس وليس انتهاء بعفرين وتل أبيض كري سبي ورأس العين سري كانيه.

أما رئيس النظام التركي رجب أردوغان الذي دخل إلى سوريا تحت ستار دعم الحراك الشعبي ضد حكم بشار الأسد يحاول جاهدا تطبيع العلاقات مع دمشق والتقارب مع الحكومة السورية، الذي سيفرض عليه مسارات دبلوماسية وسياسية جديدة لعل أبرزها تمكين الحكومة من رقبة الفصائل الإرهابية التابعة له وتسليمها المناطق الخاضعة لها، لكن من غير المعلوم إن كان الاحتلال التركي سينسحب من جرابلس والمناطق الأخرى المحتلة.

ممارسات النظام التركي وجرائمه من قتل ونهب وخطف ونشر الدمار والخراب وتشريد آلاف السوريين، لم تختلف عن تلك التي كان ينتهجها تنظيم داعش الإرهابي في جرابلس وغيرها من المناطق السورية بل تعداها في آثارها وتداعياتها المدمرة على الشعب السوري، لتبقى جرابلس كما غيرها من المناطق المحتلة رهينة للمصالح ومخططات أردوغان الاحتلالية والمقايضات التي قد تنتج في أي لحظة ويكون فيها السوريون ضحية لأطماعه التوسعية.
