كثيرةٌ هي المجازر والجرائم والانتهاكات والأحداث المأساوية، التي تأبى مفارقة ذاكرة السوريين خلال حرب سوريا المندلعة منذ العام ألفين وأحد عشر.. الحرب التي بدأت أولاً بحراكٍ شعبيٍّ سلمي مطالبٍ بالحرية والكرامة، تحوّل لاحقاً إلى أزمةٍ عسكريةٍ أمنيةٍ سياسيةٍ اقتصاديةٍ، واجتماعية، لا تزال تداعياتها تضيّق الخناق على السوريين، بكافة مكوناتهم وانتماءاتهم السياسية.
![]()
مجزرة عام ألفين وثلاثة عشر في الغوطة الشرقية للعاصمة دمشق.. واحدةٌ من أبرز وأكبر الفظائع التي خلفتها الحرب السورية، لما كان لها من نتائجَ كارثية من حيث الخسائر البشرية، التي تجاوزت بحسب إحصاءاتٍ حقوقيةٍ سوريةٍ ودولية ألفَ حالةِ وفاة، وآلاف المصابين.

وقعت المجزرة في مثل هذا اليوم من عام ألفين وثلاثة عشر.. البداية كانت من تقاريرَ تفيد بوقوع هجماتٍ على مناطقَ متفرقةٍ من غوطة دمشق الشرقية، في وقائعَ بدت للوهلة الأولى بأنها أمورٌ اعتاد على سماعها السوريون والعالم أيضاً خلال الحرب، إلا أنّ الحقيقة كانت أخطر من ذلك بكثير، بعد ورود معلوماتٍ عن رصد حالات اختناقٍ وإصاباتٍ تشير لاستخدام سلاحٍ كيماوي.
منظماتٌ حقوقيةٌ عاملةٌ في سوريا وثّقت مقتلَ وإصابةَ الآلاف جرّاء الهجوم، فيما حدّدت تقاريرُ سورية وأخرى غربية، أنّ أعداد الضحايا تجاوزت ألفاً وأربعمئة قتيلٍ، إضافةً لآلاف المصابين، بأعراض استخدام الكيماوي، بينها الاختناق واحمرار وحكة العينين والتشنجات العضلية وفقدان الوعي.

روايات بعض الأطراف المعارضة للسلطة، تحدّثت أنّ الهجوم سُبِقَ بعدة ضرباتٍ صاروخية نفّذتها القوات الحكومية على مدار ساعات، على مختلف مناطق الغوطة، بما فيها زملكا وعين ترما وعربين، وذلك قبل وصول أولى حالات الإصابة بالكيماوي إلى المشافي في السادسة صباحاً من يوم الأربعاء، الحادي والعشرين من آب / أغسطس، لتكون بذلك قوات الحكومة المتهم الرئيس في الهجوم.
دمشق نفت بداية حدوث الواقعة من الأساس، واتّهمت بعض الأطراف الخارجية بمحاولة التأثير على تحقيقاتٍ للأمم المتحدة بشأن هجومٍ مماثل كان قد وقع قبله بنحو خمسة أشهر، في خان العسل بمحافظة حلب شمالي سوريا، قبل أن تغيّر روايتها وتتهم فصائلَ مسلّحةً معارضة بتنفيذ الهجوم، بعد عثورها على أسلحةٍ كيماوية في أنفاقٍ قالت إنها تابعةٌ للفصائل في حي جوبر بدمشق.
روسيا حليفة الرئيس السوري بشار الأسد، اتّهمت هي الأخرى الفصائل المسلّحة المسيطرة على المنطقة بتنفيذ الهجوم، فيما حمّلت دولٌ غربية بينها الولايات المتحدة، قوات الحكومة السورية مسؤولية الهجوم، بموجب معلوماتٍ استخباراتية، أفادت برصد نشاطٍ كيماويٍّ سوري قُبيلَ وقوع المجزرة.
وبين سلسلة الاتهامات المتبادلة بين أطراف الصراع وحلفائهم، أصدرت لجنة تفتيش تابعة للأمم المتحدة تقريراً بشأن الواقعة بعد أقل من شهر، أكدت فيه أنّ الهجوم نُفِّذَ بغاز السارين باستخدام صواريخ أرض – أرض، واصفةً ذلك بالجريمة الخطيرة، في وقتٍ أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان، لامتلاكها أدلةً تدين القوات الحكومية.
عشرة أعوام تمضي على ارتكاب المجزرة الكيماوية، ولا يزال القاتل، حراً طليقاً بعيداً عن المحاسبة.. حالها حال العديد من المجازر والهجمات المماثلة التي تعرّضت لها مناطق عدة في سوريا، مثل ريف دمشق وحلب وإدلب، وخلّفت آلاف الضحايا، فيما تواصل الدول والأطراف الأجنبية، اللعب على ورقة الخلافات والأزمات بين الأطراف السورية، في سبيل تحقيق مصالحها وخططها الاستراتيجية.
