تطوراتٌ عدة شهدها العالم ومايزال، منذ بدء الأزمة في سوريا عام ألفين وأحد عشر، لعل من أبرزها الحرب الروسية في أوكرانيا، حيث تخوض موسكو، حليفةُ بكين وبيونغ يانغ، حرباً ضروساً مع كييف المدعومةِ من الحلفاء الغربيين بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، في مشهدٍ خطيرٍ يُحاكي حرباً عالميةً ثالثة، تنذر تداعياتُها بكوارثَ تطال المعمورة بأسرها.
حرب أوكرانيا ورغم بُعدها عن أزمة سوريا، إلا أنّ تداعياتها انعكست بشكلٍ واضحٍ على سياسة الدول المُنخرطة في الأزمة، وتحديداً روسيا، الحليفُ الدولي الهام للرئيس السوري بشار الأسد، والتي بدأت بتفعيل عدة ملفاتٍ وأوراق، بينها العمل على تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، واستخدام مشروع الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، للضغط على الأخيرة وتحقيق أهدافٍ معينة، ليس أقلها محاولة تحجيم الدور الأمريكي بسوريا، بحسب ما يؤكد مراقبين.
ولعل المحاولات الأخيرة من جانب موسكو لعقد اجتماعٍ رباعيٍّ على مستوى وزراء خارجية روسيا وإيران وتركيا وسوريا بشأن التطبيع بين الأخيرتين، أحدُ الأدلة على تغيير مقاربة الكرملين بشأن الأزمة السورية، والتي يرى فيها محللون للشأن السوري، فرصةً لموسكو لاستعراض عضلاتها ومحاولة تقديم نفسها كقوةٍ وقطبٍ يجب أن يُحسب له حسابٌ في المعادلات الدولية.

ويقول كرديار دريعي، عضو مركز “روج آفا” للدراسات الاستراتيجية،”بعد الحرب الأوكرانية تحاول روسيا أن تخرج من الأزمة السورية منتصرة من خلال تحسين العلاقات بين سوريا وتركيا وتحقيق أهدافها من خلال الدبلوماسية”
ويضيف دريعي في مقابلة مع اليوم أنّ موسكو تحاول أن “تظهر للعالم أنها ما زالت دولة قوية تستطيع أن تؤثر دبلوماسياً وأن تقيم العلاقات بين دول المنطقة”.
ورغم الإصرار الروسي على تقريب وجهات النظر بين دمشق وأنقرة والدفع بقوةٍ نحو تطبيع علاقاتهما، إلا أنّ هذه العملية تبدو وكأنها معادلةٌ صعبةُ الحل، إن لم تكن مستحيلة، لاعتباراتٍ عدة، بينها التعنّت التركي وعدم الانسحاب من الأراضي السورية.. انسحابٌ يعد شرطاً سورياً لا رجعةَ عنه، وفق ما تقول دمشق، للمضي في التطبيع. فيما يقول آخرون أن هناك مصالح مشتركة بين دمشق وأنقرة تتمثل في العداء المشترك لتجربة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، نقطة الاتفاق الوحيدة التي تجمع الطرفين بحسب المراقبين.

ويعتقد كرديار دريعي أنّ مستقبل الاجتماعات الرباعية لن يصل إلى نتيجة إيجابية بالنسبة للدول الأربعة، لأنهم “يلتقون على نقطة واحدة في سوريا وهي ضرب الإدارة الذاتية، أما الجوانب الأخرة بينهم خلافات كبيرة”.
ويضيف عضو مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية أنه” إذا افترضنا أن هذه العلاقات نجحت وأصبح هناك تقارب سوري تركي فإن خطرها على الإدارة الذاتية يكمن في تعاون دولتين لا تعترفان بالشعب الكردي والقضية الكردية ولا حتى بالتجربة الديمقراطية في شمال وشرق سوريا”.
ويتابع، “ستتكاتفان (تركيا والحكومة السورية) لضرب المشروع الديمقراطي في المنطقة”.
وتأتي هذه المحاولات الروسية المتواصلة لتطبيع العلاقات بين سوريا وتركيا، بالتزامن مع تصريحاتٍ تصعيديةٍ من جانب دمشق تجاه التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية، وصلت مؤخراً إلى حد تهديد وزير الخارجية السوري فيصل المقداد باستخدام القوة لإخراج القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا، هذه المنطقة التي تشهد تزايداً في التعزيزات العسكرية المتبادلة بين واشنطن من جهة، وقوات الحكومة السورية والفصائل التابعة لإيران من جهةٍ ثانية، فإلى أين تتجه الأوضاع؟
