منذ ثورة التاسع عشر من تموز عام 2012 التي انطلقت من مدينة كوباني، انتهجت العديدُ من مناطق شمال وشرق سوريا مبادئ تلك الثورة ومفاهيمها المتعلقة بالإدارة الذاتية والحماية الجوهرية، من بينها البلداتُ والقرى الصغيرة الموجودةُ في أرياف حلب.

هذه المبادئ هي ما كانت تهدد المُتربصين من الأنظمة الحالمة بالتوسع والسيطرة على حساب النزاع والأزمة المتفاقمة في سوريا، لكن ما إن التجأت أطرافُ النزاع إلى الخارج من أجل البقاء، سرعان ما ارتهنت له وانصهرت في مُخططاته، دون أن تحميها قيمٌ ومبادئُ ثابتةٌ تحول دون إقدامها على الارتهان والانصهار، الأمر الذي سهّل مهمة المتربصين في النفاذ والتحكم بشؤون سوريا وشعبها.

قبل أن يبدأ الاحتلال التركي المباشر للأراضي السورية في غرب البلاد ومن ثَم عفرين فالشريط الممتد بين رأس العين/سريه كانيه وتل أبيض/كريه سبي، استخدم النظام التركي ـ من أجل تنفيذ مخططاته تدريجياًـ الفصائلَ المُرتهنة له، وتلك الإرهابية التي درّبها وجندها لتعمل بإمرته في سوريا، مصدراً إياها للرأي العام على أنها فصائل معارضة مسلحة، رغم سقوط القناع عنها كثيراً من المرّات، وبتوثيقٍ من مراكزَ محليةٍ ودولية للانتهاكات التي ارتكبتها تلك الفصائل بحق شعوب المنطقة وتاريخها وثقافتها وممتلكات أهلها.

دسَّ النظامُ التركي تلك الفصائل في الشمال عبر المنافذ الحدودية، وارتكب من خلالها سياسة المجازر المريعة بحق شعوب المنطقة، والتي راح ضحيتها أطفالٌ ونساءٌ ورجالٌ وشباب وشيوخ، دون أي رادعٍ دوليٍّ لهذه الجرائم، بل غالباً ما أثبت المجتمع الدولي تواطؤه معها، وكانتِ النتيجة تدميرَ معالم المدن وانتهاك حرمة تاريخها وتهجيرَ أو قتلَ سكانها الأصليين.
ووفق مراقبين فإن الخطوةَ الأولى للاحتلال التركي تمثّلت بزرع الفتنة بين مكونات الشعب السوري وخلق النزاع بين الكرد والعرب، ثم الانتقال لمرحلة ارتكاب المجازر بحق الشعب الكردي، وفقاً لسياسةٍ وضعتها استخباراتُ الاحتلال مع الفصائل الإرهابية المرتهنة له خلال اجتماعهم في مدينة غازي عنتاب بتاريخ الرابع والعشرين من حزيران 2013 إذ تم حينَها الاتفاقُ على إبادة الشعب الكردي وتهجيره من مناطقه الأصلية، بُغية إحداث تغييرٍ ديمغرافيٍّ يُسهّل مرحلة الاحتلال المباشر لمناطقهم.

علاء الدين الخالد ـ محامي كردي من بلدة تل حاصل
وبحسب المصادر فإن الاستخباراتِ التركيةَ عرّفت الشعبَ الكردي في سوريا لتلك الفصائل خلال اجتماع غازي عنتاب على أنه شعبٌ إرهابيٌّ انفصالي لا يَدين بالإسلام، زارعةً بذلك الضغينةَ في قلوب هؤلاء من أجل محاربة هذا الشعب.
أولى تلك المجازر وإحدى أكبرها التي لن تغيبَ عن ذاكرة الكرد في سوريا، مجزرة بلدتَي تل حاصل وتل عران في ريف حلب الجنوبي الشرقي بتاريخ السابع والعشرين من تموز من عام 2013 والتي نفّذتها فصائلُ إرهابيةٌ بعضُها تابعةٌ لداعش، وأخرى تابعةٌ لجبهة النصرة المعروفة الآن بهيئة تحرير الشام، وهي الذراع السوري لتنظيم القاعدة الإرهابي، إضافةً إلى فصائلَ أخرى لها باعُها في ارتكاب الجرائم ضد شعوب المنطقة، وكلُّها مدعومةٌ من قبل النظام التركي سواءً بالسلاح أو بتقديم خارطة الحرب أو تسهيل الوصول، بحسب مصادرَ مطلعة.

قبل تاريخ المجزرة يمكن تعريفُ تل حاصل وتل عران بأنهما بلدتان تقعان في الريف الجنوبي الشرقي لحلب، وهما كرديتا الشعب أحاطت بهما قرىً وبلداتٌ عربية، ربطتهم علاقاتُ ودٍّ ومحبةٍ وحسن جوار..
عندما بدأ الصراع بين أطراف النزاع السوري قرّر أهالي هاتين البلدتين إدارة منطقتهما ذاتياً وتشكيل قوةٍ من أبنائهما من أجل الحماية والدفاع عند الضرورة تحت مسمى جبهة الأكراد.
في السابع والعشرين من شهر تموز يوليو عام 2013 الموافق آنذاك للتاسع عشر من شهر رمضان المبارك، حيث كان أهالي بلدتي تل حاصل وتل عران صائمين متأهبين لإقامة صلاة العصر، حاصرتِ الفصائل الإرهابية التابعة لتركيا بلدة تل حاصل وهاجموا مَقرّاً تابعاً لجبهة الأكراد في البلدة وحاصروا جامعَ البلدة والأهالي المتأهبين لإقامة صلاة العصر فيه، وسرعان ما وضعوا حواجزَ لهم عند الطرق الرئيسية.

أول ضحايا هذا الهجوم كانوا أطفالَ أسرةٍ كرديةٍ عائدةٍ بسيارتها من بلدة تل عران المجاورة، بعد انتهائها من التسوق لشراء ثياب العيد. إذ أُصيب الأطفال بجراحٍ بليغةٍ إثر إطلاق النار عشوائياً على سيارتهم المدنية من قبل حاجزٍ تابعٍ لجبهة النصرة الإرهابية.

بفضل مقاومة مقاتلي جبهة الأكراد المُحاصرين في المقر، تم فك الحصار والانتشار في نواحي البلدة، فحاولت الفصائلُ الدخولَ من الجهة الغربية، لكن أهل البلدة أحبطوا المحاولة واستطاعوا الاستيلاء على بعض السيارات والأسلحة الموجودة فيها وقبضات الإرسال اللاسلكية
أما المجموعاتُ الإرهابية التي حاصرت الجامع ومن ثم اقتحمته، أرسلت قنّاصاً ليطلق النار عشوائياً عبر المئذنة على المدنيين والسيارات وكل ما يتحرك حول الجامع، فيما أمسك أحد الإرهابيين لاقط الصوت وأطلق التهديدات عبر المكبرات قائلاً فيها إن الكرد كفّار وإن أولادَهم ونساءهم وأملاكهم حلالٌ عليهم، وطالب قوات جبهة الأكراد والمدنيين المقاومين بتسليم السلاح.
أبى أهل تل حاصل الاستسلامَ واعتبروه قراراً جباناً، ولم يجدوا مفرّاً أمامهم سوى المقاومة فاستمرت الاشتباكات إلى حين موعد الإفطار، لتتوقف لساعةٍ ثم يستمر الاشتباك لساعاتٍ متأخرةٍ من الليل، تمكّن فيها أهل البلدة من إبعاد الفصائل الإرهابية المهاجمة مع بقاء تلك التي حاصرت الجامع داخل البلدة.

في الصباح الباكر من اليوم الثاني لبدء الهجوم، بعد أن أدرك أهلُ البلدة من خلال المقابض اللاسلكية التي حصلوا عليها أثناءَ الهجوم، من الإرهابيين، أن تعزيزاتٍ أخرى قادمةٌ لمؤازرة تلك الفصائل، وأنهم لا يملكون سوى الأسلحة الفردية الخفيفة، فهم لم يحسبوا حساباً للحرب، بل كانت استعداداتهم استعداداتُ حمايةٍ ودفاع، قرروا إرسالَ الأطفال والنساء إلى الأراضي الزراعية ليفترشوا العراءَ تحت أشعة شمس تموز، لئلّا يمسسهم سوءٌ من تلك الفصائل التي سفكت دماءَ العديد من أبناء البلدة.

قُدّر عددُ مهاجمي البلدة من الإرهابيين ألفاً، فيما كانت أسلحتهم المُستخدمة في ثاني أيام الهجوم هي الدوشكا والصواريخ الحرارية وغيرها من الأسلحة الثقيلة، وانقطعت شبكةُ الاتصالات في البلدة من قبل الحكومة السورية، التي لم تُحرّك ساكناً طوال فترة الهجوم، رغمَ وجود قواتها في مقراتها القريبة والمحيطة بالبلدتين، وتم التشويشُ على أجهزة اللاسلكي، واستُقدم المزيدُ من التعزيزات للإرهابيين، وكلُّ ما عرفَه أهلُ تل حاصل أن الهجومَ امتدَّ إلى تل عران المجاورة دون معرفة مزيدٍ من التفاصيل.

استمرت المَعاركُ إلى أوانِ المَغرب، وهاجمت النصرةُ الإرهابية تل عران من الطرف الجنوبي الغربي، واستخدمتها انطلاقةً للهجوم على تل عران، واشتدّت وطأةُ المعركة بعد الإفطار، وأدرك أهل تل حاصل أن تل عران سقطت وراحَ الكثيرُ من الضحايا، فقرّر أهالي البلدتين الانسحاب.
قُدّر عددُ ضحايا مجزرة البلدتين بما يُقارب خمسين شخصاً، عدا الجرحى والأسرى، وتعرّضت منازلهم وممتلكاتهم للنهب والسرقة على يد تلك الفصائل..
اليوم أهالي البلدتين نازحون في مخيمات الشهباء، التي أقامتها الإدارةُ الذاتية لشمال وشرق سوريا في الريف الشمالي لحلب، أما العدالةُ فلم تأخذ مَجراها حتى بعد مرور عشر سنواتٍ على وقوع المجزرة، وإصدار تقريرٍ حقوقي أعدته اللجنة الدولية لتقصي الحقائق عام 2014.
التقرير أفاد في محتواه أن سلوكَ تلك الفصائل المُسلحة يعتبر تعمّداً لتشريد السكان على أساس الهوية الإثنية، وأنها اتبعت حملةً مُنسّقةً ومُخططاً لها، تستهدف تشريدَ المدنيين الكرد قسراً.
ورغم صدور هذا التقرير لم يتمَّ تشكيل لجنةِ تحقيقٍ دولية، تحاسب المُعتدين وتُعيد الحقوقَ إلى أهل البلدتين، بل ازدادت تلك الفصائل بسبب الصمت الدولي والدعم التركي تمادياً، لترتكب يومياً انتهاكاتٍ تطال السكان وممتلكاتهم في المناطق السورية المُحتلة من قبل النظام التركي.
