لم تكد سوريا تنهضُ من تحت أنقاض الاحتلال العثماني الذي جثمَ على صدور أبنائها أكثرَ من أربعة قرون، حتى وجدت نفسها فريسةَ مُخططاتٍ وأطماعٍ احتلالية جديدة، فرضها واقع الحرب العالمية الأولى وما بعدها، والذي تمخض عن نظامٍ استعماري جديد تحت اسم الانتداب، اقتسمت بموجبه الدولُ المنتصرة في الحرب الأراضيَ التي تحررت حديثاً من الهيمنة العثمانية، فكانت اتفاقية سايكس بيكو التي وقعت سوريا بموجبها تحت الاحتلال الفرنسي عام ألفٍ وتسعمئة وعشرين.

ومع نزول أول جنديٍّ فرنسي في الساحل السوري بدأتِ المقاومةُ فردياً وجماعياً ضد الاحتلال، وشهدت سوريا ملاحمَ بطولية في مقارعة الفرنسيين، كان أبرزها معركة ميسلون بقيادة وزير الحربية آنذاك يوسف العظمة، والتي مثلت رغمَ انتصار الفرنسيين فيها، علامةً فارقةً في التاريخ النضالي ضد الاستعمار، وكانت مؤشراً بارزاً على عدم تقبل السوريين الاستسلام لمغتصبٍ آخرَ لأرضهم.

بعد انتصارها بمعركة ميسلون في تموز يوليو عام ألف وتسعمئة وعشرين، لجأت فرنسا إلى تجزئةِ سوريا لعدة دولٍ وكياناتٍ مستقلة وهي:
دولة دمشق 1920
دولة حلب 1920
دولة العلويين 1920
دولة لبنان الكبير 1920
دولة جبل الدروز 1921
لواء الإسكندرون المستقل 1921
وأُعطيت الأقاليمُ السورية الشمالية لتركيا الأتاتوركية خلال معاهدة أنقرة وترسيم الحدود بين فرنسا المُحتلة وتركيا، فيما لجأ الجنرال الفرنسي هنري غورو، القائدُ العسكري والمفوض السامي على سوريا إلى السياسية التي اتبعها الجنرال ليوتي في المغرب، لتمزيق الوحدة الوطنية بسوريا وإضعاف المقاومة ضد الاحتلال، وهي سياسةٌ تقوم على عزل المكونات الدينية والإثنية المتماسكة عن التيار الرئيسي في البلاد، بحجة الدفاع عن حقوقها وإنصافها، كما تقوم على تأليب الريفِ ضد المدن والبدو ضد الحضر.

وكردِّ فعلٍ على السياسات الدكتاتورية العسكرية التي اتبعها الاحتلال الفرنسي بسوريا، بدءاً باحتلالها وتمزيقها لعدّة دويلات وإلغاء الحريات وملاحقة الوطنيين وإثارات النزعات الطائفية ومحاربة الثقافات الأصيلة ومحاولة فرنسة البلاد، ونهب مواردها وثرواتها، وصولاً إلى رفض الاحتلال عقدَ اتفاقٍ مع القوى الوطنية لتحديد برنامجٍ زمنيٍّ لاستقلال سوريا، انطلقت الثورةُ السورية الكُبرى في الحادي والعشرين من تموز يوليو عام ألفٍ وتسعمئة وخمسةٍ وعشرين بقيادة ثوار جبل العرب في السويداء جنوبي البلاد، وانضم تحت لوائِهِم مئاتُ الثوار من مختلف مناطق سوريا ولبنان والأردن، تحت قيادة المناضل الدرزي سلطان باشا الأطرش.

قبل ذلك كان الكولونيل كاترو الذي أوفده غورو إلى جبل العرب يسعى إلى عزل الدروز عن الحركة الوطنية السورية، فأبرم في الرابعِ من آذار مارس عام ألف وتسعمئة وواحد وعشرين، معاهدةً مع العشائر الدرزية، نصت على أن يؤلف جبل الدروز وحدةً إداريةً خاصة مستقلةً عن دولة دمشق، لها حاكمٌ محلي ومجلس تمثيلي منتخبان، مُقابل اعتراف الدروز بالانتداب الفرنسي، ونتيجةَ المعاهدةِ جرى تعيين سليم الأطرش كأول حاكمٍ درزي للجبل.
أما المقدمات الحقيقية للثورة السورية الكبرى، فقد بدأت في الثاني والعشرين من حزيران يونيو عام ألف وتسعمئة وواحد وعشرين، بمحاولة اغتيال الجنرال غورو من قبل مجموعةٍ من الثوار قادها أحمد مريود وكان فيها اللبناني أدهم خنجر، وذلك أثناء توجه غورو رفقةَ رئيس الوزراء وحاكم دمشق حقي العظم إلى القنيطرة، لكن غورو نجا من القتل، بينما قُتل وأُصيب عددٌ من عناصر حمايته.
في العام التالي لهذه المحاولة التجأ أدهم خنجر إلى سلطان الأطرش، إلا أن الفرنسيين هاجموا دار الأطرش في قرية القريّا أثناء غيابه في السابع من تموز يوليو عام ألفٍ وتسعمئة واثنين وعشرين، واعتقلوا خنجر بتهمة المشاركة في محاولة اغتيال غورو، لكن هذه الحادثةَ كان لها وقعٌ كبيرٌ في نفس الأطرش، الذي جهز قوةً كبيرة وحاصر الحامية الفرنسية في قلعة السويداء من ثلاثة جهات، واشتبك مع الفرنسيين في معركة تل الحديد، التي أُبيدت فيها فرقة الضابط بوكسان وتم تدميرُ أربع مصفحات وأَسرُ ستة جنودٍ ردّاً على اعتقال خنجر.
حاصرتِ القوات الفرنسية السويداء وعمدت إلى الخديعة، فأعلنت استعدادها للإفراج عن خنجر مقابل إطلاق سراح الجنود الفرنسيين، وبعد تسلّمها الأسرى أرسلت فرنسا خنجر للإعدام في بيروت، وبدأت الطائراتُ الفرنسية قصفَ مراكز الثوار لفك الحصار عن قلعة السويداء، ودمرت دارَ سلطان الأطرش جراء القصف.
وبعد عامٍ من القتال على شكل حرب عصابات ضد الاحتلال، وجراء القوةِ المُفرطة التي استخدمها الفرنسيون لإخضاع ثوار الجبل، لجأ الأطرش للأردن مدة سنتين، عمل فيها على شحذ الهمم وجمع الرجال لمقاتلة الفرنسين، فعاد للجبل وتحت ضغط بريطانيا سلّم نفسه للفرنسيين عام ألفٍ وتسعمئة وثلاثة وعشرين، بعد أن اتفق معهم على عقد هدنة، وكان قد اكتسب شعبيةً هائلة، أسهمت لاحقاً في تمكنه من استئناف القتال بزخمٍ أكبرَ وإصرارٍ على تحقيق أهداف الثورة.

عام ألفٍ وتسعمئة وأربعةٍ وعشرين توفي سليم الأطرش مسموماً في دمشق، فعين الفرنسيون الكابتن كاربييه حاكماً على الجبل خلافاً للاتفاق المُبرمِ مع الدروز، حيث راح ينكّل بالأهالي ويعرضهم للسجون وأعمال السخرة والملاحقة، وعمل على إثارة أهالي الجبل ضد بعض العائلات وعلى رأسها آل الأطرش، ما دفع أهالي مدينة السويداء إلى الخروج في مظاهرةٍ عارمةٍ ضد ممارسات الفرنسيين وهو ما عجل باندلاع الثورة.
في السادس من حزيران يونيو عام ألفٍ وتسعمئة وخمسة وعشرين، أرسل أهالي الجبل وفداً إلى بيروت لتقديم وثيقةٍ تُطالب المفوض السامي موريس بول ساراي بتعيين حاكمٍ درزي على الجبل بدلاً من الكابتن كاربييه، الذي كان يُخصّص رجالاً لضرب الناس وإهانتهم واعتقال الوجهاء والأعيان وتعذيبهم وإذلالهم، والاعتداء على الموظفين المدنيين وفرض الإتاوات والغرامات دون وجهِ حق، وترويع المدنيين بإطلاق الرصاص والمداهمات.
لكن ساراي طردَ وفدَ الجبل ورفض مقابلتهم، وأخطرهم بضرورة مغادرة بيروت والعودة إلى بلادهم سريعاً، وإلا نفاهم إلى تدمر، فعمد سلطان باشا الأطرش لعقد اجتماعٍ في السويداء، وطافت المُظاهرات أنحاءَ الجبل، وجرى التواصل مع عددٍ من الزعماء السياسيين في دمشق وعلى رأسهم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر رئيس حزب الشعب، لإشعال نار الثورة في عموم سوريا، وتشتيت القوات المُحتلة جغرافياً وإضعاف قوتها وتخفيف الضغطِ عن العاصمة دمشق وجبل العرب، من أجل طرد الفرنسيين وتحقيق الاستقلال وإعادة الوحدة.
تواصلَ الشهبندر مع الزعيم إبراهيم هنانو في المنطقة الشمالية، كما اجتمع مع المناضل محمد بك العيّاش في دمشق واتفق معه على مد الثورة إلى المنطقة الشرقية، فشكل العيّاش مجموعةً ثورية لضرب الفرنسيين في دير الزور، وتمكن الثوار من توجيه ضرباتٍ موجعة للفرنسيين وقتلوا عدداً من الضباط في منطقة عين البو على طريق دير الزور الرقة، لترد الطائرات الفرنسية بقصف القرى وتدميرها على رؤوس ساكنيها، فحوكم الثوارُ وعوقب آلُ عياش بين السجن والنفي والإعدام والاغتيال.
وفي حماة أعلن فوزي القاوقجي في الرابع من تشرين الأول أكتوبر عام ألفٍ وتسعمئة وخمسة وعشرين الثورةَ ضد الفرنسيين بعد التواصل مع الشهبندر، وكاد يسيطرُ على المحافظة لولا قصفُ الطائرات العنيف للأحياء السكنية، فخرج إلى البادية وحقق انتصاراتٍ مهمة وأنزل خسائرَ فادحةً بالفرنسيين، حتى أسند إليه مجلس الثورة الوطني قيادة الثورة في منطقة الغوطة ومنحه سلطاتٍ واسعة.
مع كل هذه المتغيرات المتسارعة، عادت فرنسا إلى ممارسة الخديعة ضد الثوار، فاستدعت بعضاً من زعماء الجبل بحجة التباحث معهم بشأن مطالبهم، في الحادي عشر من تموز يوليو عام ألفٍ وتسعمئة وخمسة وعشرين، لتقوم باعتقالهم ونفيهم إلى تدمر والحسكة، ونتيجة لهذه السياسات والممارسات الفرنسية، أعلن سلطان باشا الأطرش قيام الثورةِ في الحادي والعشرين من تموز يوليو عام ألف وتسعمئة وخمسة وعشرين، من خلال إذاعة بيانٍ سياسي وعسكري جاء فيه:
“أيها السوريون تذكروا أجدادكم وتاريخكم وشهداءكم وشرفكم القومي، تذكروا أن يد الله مع الجماعة، وأن إرادة الشعب من إرادة الله، وأن الأمم المتمدنة الناهضة لن تنالها يدُ البغي، لقد نهبَ المستعمرون أموالنا واستأثروا بمنافع بلادنا، وأقاموا الحواجز الضارة بين وطننا الواحد، وقسمونا إلى شعوبٍ وطوائفَ ودويلات، وحالوا بيننا وبين حرية الدين والفكر والضمير وحرية التجارة والسفر حتى في بلادنا وأقاليمنا، إلى السلاح أيها الوطنيون إلى السلاح تحقيقاً لأماني البلاد، إلى السلاح تأييداً لسيادة الشعب وحرية الأمة، إلى السلاح بعدما سلبَ الأجنبي حقوقكم واستعبد بلادكم ونقض عهودكم، ولم يحافظ على شرف الوعود الرسمية، وتناسى الأماني القومية، فلنستأنف جهادنا المشروع بالسيف بعد أن سكت القلم، ولا يضيع حقٌ وراءَه مُطالب”.

كانت الشرارةُ الأولى للثورة قد انطلقت في العشرين من الشهر ذاته بقرية أم الرمان في ريف السويداء، حيث علمت فرنسا بوجود الأطرش في القرية وأرسلت طائراتٍ لقصفها، فتمكن الثوار من إسقاط طائرتين وأسر أحد الطيارين، وهاجموا الحاميةَ الفرنسية في قلعة صلخد وأحرقوا دار البعثة الفرنسية، كما انقضّوا على الحامية الفرنسية بقيادة نورمان في الكفر، ودارت معركةٌ نحوَ نصف ساعة، أسفرت عن سقوط أربعةٍ وخمسين شهيداً من الثوار، منهم مصطفى الأطرش شقيق سلطان باشا الأطرش، ومقتل نورمان قائدِ الحملة ومئات الجنود الفرنسيين، إلا أن فرنسا لم تعترف إلا بمئةٍ واثنين وسبعين قتيلاً.
كان من أبرز مطالب الثورة السورية الكبرى:
وحدة البلاد السورية بساحلها وداخلها، والاعتراف بدولة سورية عربية واحدة مستقلة استقلالاً تاماً.
قيام حكومة شعبية تجمع المجلس التأسيسي لوضع قانونٍ أساسيٍّ على مبدأ سيادة الأمة سيادةً مُطلقة.
سحب القوى المحتلة من البلاد السورية، وتشكيل جيشٍ وطني لحفظ الأمن.
تأييدُ مبادئ الثورة الفرنسية وحقوق الإنسان في الحرية والمساواة والإخاء.

بعد الهزيمة الفرنسية المدوية في السويداء أمر ساراي بتجهيز حملةٍ كبيرةٍ لتأديب الثوار يتجاوزُ عددُها الخمسةَ آلاف جندي، وعلى رأسها الجنرال ميشو، وهي مجهزةٌ بأحسن العتاد وأحدث الآلات ومدعومةٌ بالطائرات الحربية، وفي اليوم الأول من أب أغسطس عام 1925 اشتبكت الحملة مع الثوار في بلدة ازرع وكبدتهم خسائرَ كبيرة، وبحلول المساء هاجم الثوار مؤخرة الحامية الفرنسية، واستولوا عليها بما فيها من ذخائرَ ومؤن، وفي الصباح التالي اشتبك الطرفان في معركة المزرعة، وأُبيد مُعظم عناصر الحملة الفرنسية وفرَّ الباقون إلى دمشق.

في السابع عشر من أيلول عام ألفٍ وتسعمئة وخمسةٍ وعشرين هاجم الثوار الحملة الفرنسية في قرية المسيفرة وقتلوا أكثرَ من تسعمئة جندي واستولوا على عتادٍ وآليات، ثم دارت معاركُ بين الثوار والقوات الفرنسية الزاحفة باتجاه السويداء واضطر الفرنسيون بعد احتلالٍ مؤقتٍ للمدينة إلى الانسحاب، بعد أن قررت قيادة الثورة مدَّ نِطاقِها إلى الشمال لتخفيف الضغط عن الجبل.

كانت المعاركُ مُحتدمةً ضد الفرنسيين في حماة بقيادة فوزي القاوقجي وفي غوطة دمشق بقيادة حسن الخراط، حيث تكبّد الفرنسيون خسائرَ كبيرة، دفعت المفوض السامي ساراي إلى توجيه أوامرَ لقواته بضرب دمشق بالمدافع، فدمّر أكثرَ من ستمئة منزل، ونهب الفرنسيون المخازن والمحالَّ، وقد وصل الثوار إلى قصر العظم لخطف ساراي، لكنه فرَّ قبل وصولهم، واستمرت المَعارك في الغوطة والنبك ومناطقُ أخرى بريف دمشق، وسيطر ثوار الجبل على إقليم البلان وبلدة حاصبيا دون مقاومة من الفرنسيين، ثم توجهوا لبلدة راشيا وتمكنوا من دخول قلعتها بعد قتالٍ شديد.

دخل الثوار بعد ذلك مرحلةَ الاستنزاف مع امتداد أمد الثورة، وعانوا من نقص الذخيرة والمؤن، وهو ما ساعد القوات الفرنسية على تشديد الخناق عليهم بجلب المزيد من التعزيزات العسكرية، مما أضطر الثوارَ للنزوح إلى الأزرق في إمارة شرقي الأردن، ولم يمكنهم الإنكليز من المكوث طويلاً، فنزح سلطان الأطرش ومن معه من الثوار إلى وادي السرحان والنبك شمالي السعودية، ثم إلى الكرك في الأردن، وقد رفض تسليم سلاحه إلى المستعمِر وحكم عليه بالإعدام.

أصدرت فرنسا عفواً شاملاً عن كل الثوار إثر توقيع المعاهدة السورية الفرنسية عام ألف وتسعمئة وستة وثلاثين، فعاد سلطان الأطرش ورفاقه إلى الوطن، واستُقبلوا في دمشق في الثامن عشر من أيار مايو عام ألفٍ وتسعمئة وسبعة وثلاثين باحتفالات شعبية كبيرة، ولم يغادر الأطرش سوريا حتى توفي في السادس والعشرين من آذار مارس عام ألفٍ وتسعمئة واثنين وثمانين عن عمر ناهز 91 عاماً.
كان مأتَمُهُ يوماً تاريخياً مشهوداً حشد أكثرَ من نصف مليونٍ من المشيعين، وحُمل نعشُهُ في طائرةٍ مروحية حلّقت فوق مواقع المعارك الخالدة التي خاضها، ودُفن في قريته القريّا محمولاً على عربة مدفع، مُكللاً بفخر البطولات التي سطرتها الثورة السورية، والتي أفضت بعد تحولها من النضال العسكري للسياسي، إلى استقلال سوريا وعودتها موحدة وجلاءِ آخر جندي للاحتلال الفرنسي في نيسان أبريل عام ألف وتسعمئة وستة وأربعين، فيما اغتيل العقل المدبر للثورة عبد الرحمن الشهبندر عام ألف وتسعمئة وأربعين في عيادته بدمشق، بعد عودته من المنفى على يد مجهولين.
إعداد وتحرير:ضياء التمر
