بعد أن باتت تجارة المخدرات في سوريا، وسيلة ضغط سياسية ومساومة، تتصدر أجندات الاجتماعات الدولية والعربية، وأصبحت مصدر تمويل للحكومة السورية ولأنشطتها العسكرية، أضحت سوريا بؤرة متنامية، لتفشي الفساد والانحلال الأخلاقي وغيرها من المشاكل الاجتماعية الخطيرة التي يدفع ثمنها جيل الشباب في المرتبة الأولى.
فمنذ منتصف العام 2018 انتشرت في المحافظات الجنوبية من سوريا، ما تعرف بمكابس المخدرات بشكل كبير، لتتحول تلك المناطق لمراكز تهريب وقاعدة للترويج المحلي في مطلع العام 2019 من خلال أربعة معامل رئيسية في بادئ الأمر ضمن منطقتي اللجاة وخراب الشحم بريف درعا الغربي، ثم انتشرت لتصبح 11 معملاً في مناطق مختلفة، وهي معامل تتمتع بقدرة إنتاجية تصل لأكثر من 10 ملايين حبة كبتاغون شهرياً بواسطة مكابس آلية ونصف آلية.
تجارة الكبتاغون.. وسيلة الحكومة الوحيدة للبقاء اقتصادياً
وبالمقارنة بين إنتاجية معامل تصنيع المخدرات في الجنوب السوري مع كمية شحنات المخدرات التي يتم الإعلان عن ضبطها، فإن الكميات المضبوطة تفوق قدرة تلك المعامل لإنتاج المخدرات، الأمر الذي يكشف عن شحنات كبيرة من المخدرات تصل إلى مستودعات تخزين مؤقتة قرب الحدود السورية الأردنية قادمةً من مناطق الساحل السوري وريف حمص مغلّفة ومخبئة بطرق متنوعة بين مواد البناء والخضراوات وغيرها.
مصادر مقربة من الحكومة السورية، كشفت في تصريحات لوكالة رويترز، أن السعودية عرضت على دمشق أربعة مليارات دولار، مقابل التخلي عن تجارة المخدرات، وأنها حددت المبلغ بناء على تقديرات قيمة التجارة، في وقت تفيد تقارير إعلامية، أن الحكومة السورية تجني نحو 57 مليار دولار من صادرات الكبتاغون سنوياً، وهو مبلغ يساوي نحو ثلاثة أضعاف التجارة المجمّعة من عصابات المخدرات المكسيكية.
مصادر: ملف المخدرات يعرقل التقارب العربي مع دمشق
وفي ظل التقارب الحاصل بين الدول العربية والحكومة السورية، تؤكد تلك الدول على ضرورة وقف إنتاج وتهريب الكبتاغون من سوريا لأجل توطيد أكبر للعلاقات مع دمشق، بعد إعادتها إلى الجامعة العربية، لكن رغم تعهد دمشق على المساعدة، لا تزال عمليات تجارة المخدرات وتهريبها تتصدر المشهد في مناطق سيطرة الحكومة السورية.
ومؤخراً كشف تحقيق مشترك لشبكة بي بي سي عربي وشبكة الصحافة الاستقصائية، عن وجود أدلة تشير إلى تورط مسؤولين سوريين كبار آخرين بالإضافة إلى أولئك المدرجين على قوائم العقوبات التي فرضتها بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في آذار مارس الماضي، بينهم أبناء عمومة الرئيس السوي بشار الأسد، إضافة إلى مسؤولين مرتبطين بجماعة حزب الله اللبناني وقادة من قوات الحكومة السورية.
وعلى إثر هذا التحقيق، ألغت الحكومة السورية اعتماد شبكة بي بي سي في سوريا، واعتبرت تقاريرها “مضللة”، متهمة هيئة الإذاعة البريطانية بالفشل في الالتزام بـ”المعايير المهنية”، وتقديم معلومات وتقارير غير موضوعية ومزيفة عن الواقع السوري، ما يؤكد على أن الحكومة لا تزال تمارس سياسة كم الأفواه في البلاد.
من جانبها، وفي محاولة للسيطرة على ظاهرة انتشار المخدرات وصناعة الكبتاغون في سوريا، التي باتت تشكّل قلقاً إقليمياً ودولياً، كشفت وزارةُ الخارجية الأمريكية عن استراتيجية جديدة لمكافحة هذه الظاهرة، تتضمن الدعم الدبلوماسي والاستخباراتي، لتحقيقات إنفاذ القانون، واستخدام العقوبات الاقتصادية والمالية وبمساعدة أجنبية ومشاركة دبلوماسية ورسائل ضغط على الحكومة السورية.
