على أمل الوصول لربيعٍ مَنشود، والحصولِ على حكومةٍ مدنيةٍ عادلة، سارع السودانيون للإطاحة بحكم البشير الذي عاشت البلادُ في ظلّه واقعاً مُزرياً، إلا أنهم تفاجأوا بخريفٍ قاسٍ ومختلف، سادته الفوضى والتصارُعُ العسكري على تلك التركة، مخلّفاً وراءَه معاركَ طاحنةً لا تُزهر فيها ورود ولا تؤكل من ورائها ثمار.
صراعٌ بلا هوادة، يسعى من خلاله الحلفاءُ الأعداء “عبد الفتاح البرهان” قائدُ الجيش السوداني ومحمد حمدان دقلو المعروف بـ “حميدتي” قائدُ قوات الدعم السريع، للوصول إلى السلطة وحسم المعركة بعد الاختلاف على الاتجاه الذي تسير نحوه البلادُ في سبيل الانتقال لحكمٍ مَدني.
وبحسب مراقبين فإن تمركز القتال في مدنِ العاصمة الثلاث “الخرطوم وبحري وأم درمان” يأتي بدافعِ السيطرة على المواقع الاستراتيجية والأهداف العسكرية. ومع توسّع نطاق القتال ومشاركة قبائلَ من الأقاليم الداخلية، بالإضافة لبعض القوى الإقليمية والدولية وجدَ الطرفان نفسهما أمامَ نهجٍ يعتمد على النَّفَسِ الطويل، الذي لن يُفضي لحسمِ الصراع الدائر، أقلّه على المدى المنظور.
آلاف الضحايا وملايين النازحين داخلَ حدود السودان وخارجه، خلّفهم الصراع الذي بدأ منذ الخامس عشر من نيسان / أبريل الماضي، إذ تشير الإحصائياتُ إلى مقتل نحو ألفين وثمانمئة شخص، ونزوحِ أكثرَ من مليونين وثمانمئة ألف، في حين يُعتقد أن العددَ الحقيقي للقتلى أعلى من ذلك بكثير.
وحيال ما يجري في السودان تُحذّر منظماتٌ إنسانية ودولية، من أن استمرار الصراع مدةً أطول، يُهدّد بكارثةٍ إنسانية، بالتزامن مع فشل جميعِ الجهود الإقليمية والدولية الرامية للوصول إلى حلٍّ وتسويةٍ سياسية.
ومنذ السادس من حزيران /يونيو الماضي جرت عدةُ محادثاتٍ بين الطرفين، بوساطةٍ سعوديةٍ أمريكية أسفرت في الحادي عشر من الشهر ذاتِهِ عن أوّل هُدنةٍ في جدة، أعقبها بعد ذلك عدةُ هُدَنٍ تخلّلتها خروقاتٌ كثيرة، ما دفع الرياضَ وواشنطن إلى تعليق المفاوضات.
وفي نهاية المطاف تجدُ الأزمةُ السودانية نفسَها أمام عدة سيناريوهات، يتمثّل أحدها في حسم الحربِ لصالح أحد الطرفين، فيما يتجلّى أسوؤها بالانزلاق إلى حربٍ أهليةٍ شاملةٍ لا تُبقي ولا تَذر، إلا أنه من المؤكد أن من سيدفعُ فاتورةَ هذا الصراع هو الشعبُ السوداني، الذي كانت جُلُّ مَطالبه، التخلّصَ من حُكم العسكر.
