هل يعلمُ أحدُكُم أن مجموعةً من الأمراض الطفيلية ظهرَت على البشر والحيواناتِ المُتواجدة بسواحل فلوريدا والمناطقِ المجاورة لها في السواحل الأمريكية المواجهة لأفريقيا، كان سببَهَا هِجرةُ الغبار الإفريقي عبرَ المُحيط الأطلسي.
قيسوا على هذه التجربة ما فَعله غبارُ صحراء جوبي بالصين على الموائلِ الطبيعية البحرية باليابان.
أمرٌ لا يُعقلُ لكنه حدث!

منذ ستينيات القرن الماضي غزا الجفافُ والتصحّرُ مساحاتٍ واسعةً من الأرض كظاهرةٍ عالميةٍ ترتّبت عنها خسائرُ بشريةٌ واقتصاديةٌ وبيئية..
الأمرُ دفع بالأمم المتحدة في عام 1994 إلى تعيين السابع عشر من حزيران يونيو من كل عامٍ يوماً عالمياً للتصحّر وتراجع الغطاء النباتي على كوكبنا.
القرارُ جاء من أجل نشر الوعي بالمشكلة وضرورة تنفيذ اتفاقيةِ مكافحةِ التصحر في البلدان التي تُعاني من جفافٍ قاسٍ أو تصحّرٍ وتُعدُّ قارة أفريقيا الأكثرَ تأثراً بسبب مساحتها التي تَشغَلُ ثُلثيها الصحراء.
تقول الدراساتُ أن ضريبةَ هذه الظاهرة ستكون كبيرةً وستؤثر على مُختلِف مناحي الحياة..

اجتماعياً يترتب على التصحر زيادةُ نسبة الفقر وهجرة السكان بسبب تهديد الأمن الغذائي الذي يشكله تدهورُ قطاعِ الزراعة، ما قد ينتج بالتالي ضغطاً على الحكوماتِ المُضيفة وسياساتها وخططها الاقتصادية ويمكن أن يتطوّرَ الأمرُ إلى نزاعاتٍ مُسلحةٍ بسبب الصراع على مواردِ المياه والغذاء.
بيئياً إن التصحر يُهدد الحياةَ الزراعية والتنوعَ الحيوي للتربة بسبب تآكلها وانجرافها، وفي أسوأ حالاته يتسبب الأمرُ بحدوث العواصفِ الرملية.

تبعاً لاختلاف العوامل المُسببة تَختلف خطورةُ ظاهرة التصحر في منطقةٍ ما، ووَفقاً للخبراء فإن نمط الحياة الحالية أحدُ أكثرِ الأسباب التي قد تؤدي إلى تفاقم الظاهرة، خاصةً المُمارسات البشرية التي تؤثر في تفاقم أزمةِ المناخ وبالتالي طبيعة الأمطار ومستوى هطولها، إضافةً إلى حرائقِ الغابات التي تتسبّب بها والتي تؤثر في خصوبة التربة وتراجعِ الغطاء النباتي عنها.
المشاريعُ الاقتصادية التي لا تَعرف حداً للنمو من أجل التسويق لحياةٍ حَضَريةٍ تعتمد على غزو العمران حتى لوكان ذلك على حساب المساحات الزراعية، هي واحدةٌ من الأسباب الرئيسية للتصحر في عصرنا الحالي إلى جانب غزو مشاريع الأنشطة الصناعية وملوثاتها الضارة.

أما السببُ الذي لا يقلُّ أهميةً عمّا ذكرناه فهو الحروبُ والصراعات المسلحة وما يترتب عليها من إجراءاتٍ تتجاهل تماماً تَبِعات استخدام الأسلحة بحق التربة والمياه والجو.
في ذيلِ هذه القائمة من المُسبّبات التي ترتكبها النُظُمُ الرأسمالية والدولُ الكبرى تأتي تلك المُتعلقةُ باتّباع أساليبِ الرعي الجائرِ وتجريف التربة الزراعية وإزالة الغابات وردمِ أو تجفيف المُسطحات المائية.
هنا يَنبغي على الجميع تحمُّلُ المَسؤولية، فالكارثةُ قد تَطَالُ الجميع تبعاً لخطورة ودرجة الظاهرة وعلى الجميع الاقتداءُ بالإجراءات الرشيدة للمساهمة في إعادة تأهيل المناطق المُتصحرة وإحياء خصوبة الأراضي الزراعية، ولو كان ذلك على حسابِ الأرباح الاقتصادية التي قد تُصبحُ مُجرّدَ حسابٍ لدفع الضرائب لاحقاً.

الالتزام باتفاقيات المياه الدولية وعدم استثمار المواردِ المائية للحدِّ الذي يستنزف حاجاتِ التُربة المُحيطة بها، وتكثيف الغطاء النباتي والقيام بإجراءاتِ تثبيتِ الكُثبان الرملية أمورٌ تدخل أيضاً لصالح معالجة المشكلة
التكاتفُ الدولي يأتي بالدرجةِ الأولى في القضاء على ظاهرة التصحر، ولكن الاستراتيجيات المَحلية والإقليمية الجادة والفعالة تأتي من خلال تعميق الوعي البيئي بأسبابِ ومخاطرِ ظاهرة التصحر وتدهورِ الأراضي، وتشجيع البحوث العلمية في هذا الخصوص، وسَنِّ القوانين والتشريعات البيئية وإيلائها الأولوية.
ولأن الأمرَ بهذه الأهمية فإن الأمم المتحدةَ تدعو إلى بناء شراكةٍ عالميةٍ من أجل مُحاربة التصحر وتدهور الأراضي ووضع حدٍ لهما، ومن أجل التقليص من آثار الجفاف في المناطق المُصابة به من أجل تعزيز خُطط الزراعة المستدامة على المديين القريب والبعيد.
