اجتماعات ومفاوضات ومقايضات خلف الكواليس وأمام عدسات الإعلام، تتمحور وبمنطق شعبوي حول اللاجئين السوريين، ليس لتقديم الدعم لهم بالطبع، أو إنهاء المسببات التي أوصلتهم لاجئين إلى دول الجوار، وإنّما للتباحث في كيفية ترحيلهم قسراً إلى بلادهم، دون أي ضمانات أمنية أو مقومات ضرورية لحياتهم في المناطق التي سيرحّلون إليها.
فتركيا التي كانت وما تزال أحد المسببين لمأساة هؤلاء اللاجئين عبر انخراطها عسكرياً في الأزمة السورية واحتلالها معظم مناطق الشمال السوري، تواصل المتاجرة بورقة اللاجئين محلياً وإقليمياً ودولياً، بدءاً بابتزاز أوروبا للحصول على دعم مالي باسم اللاجئين، أو اقتناص تنازلات سياسية تخدم أجنداتها في هذه المنطقة أو تلك، وصولاً إلى الاستثمار بهذه القضية لكسب أصوات الناخبين الذين يطالبون بترحيلهم.
استخدام ورقة اللاجئين بهذه الطريقة خاصة من قبل سلطات النظام التركي، زاد من خطاب الكراهية ومعاداة اللاجئين، ما أدى لتصاعد الاعتداءات عليهم، والتي راح ضحيتها عشرات اللاجئين السوريين، دون محاسبة مرتكبي تلك الجرائم بحقهم، وتقييدها ضد مجهولين أو نسبها لأسباب صحية أو إصابات عمل، لكن الأدهى من ذلك وأمر، أن النظام التركي بحكومته الجديدة عاود محاولة الابتزاز بورقة اللاجئين، متذرعاً بالعمل على إعادتهم بشكل آمن، بالتزامن مع تهديده بشن هجمات جديدة لاحتلال المزيد من أراضيهم.
قضية اللاجئين السوريين لم تكن مادة دسمة للتملص من الأزمات الداخلية في تركيا فقط، وإنما في لبنان أيضاً، الذي أعلن أنه يحضر ورقة عمل موحدة للذهاب بها إلى مؤتمر بروكسل بشأن اللاجئين السوريين، الذي يعقد يومي الثالث عشر والرابع عشر من الشهر الجاري، وتتضمن الورقة سبل الحد من وصول اللاجئين السوريين إلى لبنان، وحث المجمع الدولي على زيادة الدعم المالي لبيروت.
ويتزامن مؤتمر بروكسل مع زيارة وزير المهجرين بحكومة تصريف الأعمال اللبنانية عصام شرف الدين إلى سوريا، للتباحث في مسألة ترحيل اللاجئين وفق خطة عمل مشتركة مع الحكومة السورية، التي كانت السبب الأول لتشريد هؤلاء اللاجئين، ولم تعمل حتى اللحظة لتكون سبباً مَهْمَا كان ترتيبه بعودتهم الآمنة إلى مناطقهم.
الخطاب الشعبوي الموجه ضد اللاجئين في لبنان وتركيا على وجه الخصوص، تغذيه أدوات السلطة ووسائل الإعلام، التي تستضيف أشخاصاً يجاهرون بالعداء للاجئين ويحرضون على ترحيلهم، ويمارسون التنمر الممنهج ضدهم مع كيل الاتهامات الزائفة لهم، ما خلف ارتدادات سلبية ترجمت لهجمات عنصرية في الشارع، والضحية هم اللاجئون السوريون، الذين لم يجدوا سنداً يدفع الظلم عنهم، حتى مما تسمى المعارضة التي تدعي مناصرة حقوقهم، وتلتزم الصمت حيال الاعتداءات والانتهاكات التي يتعرضون لها.
ومع تجاهل المجتمع الدولي لمبادرة الإدارة الذاتية المتعلقة باستقبال اللاجئين ووقوف الحكومة السورية عائقاً في طريقها، فإن معاناة اللاجئين السوريين في دول الجوار وخاصة تركيا ولبنان، ستتفاقم بشكل أكثر خطورة، إذا لم يتحرك المجتمع الدولي لإنجاز حل سياسي ينهي الأزمة السورية، بدءاً بإنهاء الاحتلال التركي وخروج القوى الأجنبية، وصولاً لتحقيق تحول ديمقراطي تشارك فيه كافة المكونات المجتمعية والسياسية، من أجل بناء دولة مدنية تعددية، تستقبل أبناءها المهجرين في الشتات على أرضهم بحرية وكرامة.
إعداد وتحرير: ضياء التمر
