عندما اندلعت شرارة الحرب العالمية الأولى عام 1914، لم يكن أحد يتوقع أنها ستقضي على إمبراطوريات، وأنها ستمحي دولاً من الخارطة، فالصراع كان على أشده بين أعظم القوى العسكرية آنذاك، في فريقين متضادين، هما دول الحلفاء بوجود بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية، في مواجهة دول المحور مع تواجد الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النمساوية، إلى جانب الدولة العثمانية.
الجميع تضرر من الحرب، لكن الصراع العسكري بين الأطراف المتناحرة، رافقه صراع من نوع آخر، صراع دبلوماسي خلف أبواب موصدة، ازداد زخمه مع يقين بريطانيا وفرنسا وروسيا بأن الدولة العثمانية على وشك الانهيار، حتى أنها شبهت في الأوساط السياسية بالرجل المريض على ضفاف البوسفور، وعلى الدول الأخرى تقاسم التركة التي سيخلفها، والمقصود هنا الأراضي التي كانت تحتلها الدولة العثمانية في بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية.
العشرية الثانية من القرن الماضي، من هناك بدأت الخطوات الأولى لرسم الخطوط العريضة لخارطة الشرق الأوسط الحالية، وذلك خلال اجتماعات ومراسلات دارت بين المندوب السامي البريطاني لشؤون الشرق الأدنى مارك سايكس، المندوب السامي الفرنسي لمتابعة شؤون الشرق الأدنى جورج بيكو، وبإشراف وزير خارجية روسيا سيرغي سازونوف.
تلك الاجتماعات أسفرت عن ما عرف بـ “اتفاقية القاهرة السرية” قبل أن تنتقل الاجتماعات إلى مدينة سان بطرسبرغ الروسية، وهناك أبصرت اتفاقية جديدة النور بشكل سري، سميت باتفاقية “سايكس بيكو”، وكان ذلك في السادس عشر من أيار/ مايو عام 1916.
الاتفاقية حصلت على مباركة روسيا القيصرية والتي نالت نظير ذلك على مناطق نفوذ لها في أرمينيا وكردستان، اللتين كانتا تحت سيطرة الدولة العثمانية آنذاك، كما حصلت موسكو على حق الدفاع عن مصالح الأرثوذكس في الأماكن المقدسة في فلسطين.
اتفاقية “سايكس بيكو” نصت على تقاسم التركة العثمانية بشكل مفصل، ولكن نحن هنا نختصرها ببعض البنود المهمة، فبحسب الاتفاقية، من حق فرنسا الاستيلاء على غرب سوريا ولبنان وولاية أضنة ورمز إليها بالمنطقة الزرقاء، أما بريطانيا فلها أحقية التصرف في منطقة جنوب وأواسط العراق بما فيها مدينة بغداد، وكذلك ميناءي عكا وحيفا في فلسطين، ورمز إليها بالمنطقة الحمراء، ويحق للدولتين اختيار شكل الحكم في هاتين المنطقتين، وفق ما ترغبان به من شكل الحكم مباشرة أو بالواسطة أو من المراقبة.
أما المساحة المتبقية بين المنطقتين الزرقاء والحمراء، فستكون اتحاد دول عربية أو دول عربية موحدة، إلا أن هذا لا يمنع من تقسيم هذه الدولة إلى مناطق نفوذ فرنسية وبريطانية، ويشمل النفوذ الفرنسي شرق بلاد الشام وولاية الموصل ورمز إليها بالمنطقة A، بينما النفوذ البريطاني يصل إلى شرق الأردن والجزء الشمالي من ولاية بغداد وحتى الحدود الإيرانية ورمز إليها بالمنطقة B، فيما تخضع الأجزاء المتبقية من فلسطين لإدارة دولية.
وهكذا تقاسمت الدول الثلاث الأراضي التي كانت تحت حكم الدولة العثمانية، تقاسموها دون مشورة سكان تلك المناطق، ودون مراعاة للتوزع العرقي والديني فيها، إذ انقسمت مجتمعات كثيرة ضمن الخطوط التي رسمت وفق مصالح ضيقة.
في ذلك الوقت كانت بريطانيا تدعم أحلام العرب بالاستقلال عن الدولة العثمانية، فساندت انطلاق الثورة العربية الكبرى صيف عام 1916، بقيادة الشريف حسين، وقدمت له المشورة العسكرية بالإضافة لتأمين الذخيرة لإخراج القوات العثمانية من الحجاز وخليج العقبة، ومن ثم دمشق وبيروت.
وخلال المعارك بين الجيش العربي والعثمانيين، شهدت روسيا القيصرية عام 1917 ما عرف لاحقاً بالثورة البلشفية، والتي كشفت عن بنود اتفاقية سايكس بيكو للعلن لأول مرة، عبر صحف أزفستيا وبرافدا في الثالث والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، لتتلقفها بعد أيام صحيفة غارديان مانشستر وتنشر نص الاتفاقية بالكامل، وهذا وضع البريطانيين في موقف محرج أمام العرب، الذين كانوا يتقدمون بخطى متسارعة على حساب العثمانيين، فآثروا الفوز بالمكاسب التي تتحقق على أرض الميدان، تاركين موضوع الاتفاقية وإشكالياتها إلى ما بعد التخلص من الدولة العثمانية، التي أصحبت أثراً بعد عين مع نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918.
وما أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، حتى تغيرت أطماع كل بريطانيا وفرنسا في المنطقة، لا سيما مع تخلي روسيا عن امتيازاتها في اتفاقية سايكس بيكو بعد نجاح الثورة البلشفية في القضاء على حكم القياصرة في موسكو، إذ عدلت لندن وباريس الاتفاقية، فتخلت فرنسا عن كامل فلسطين والموصل مقابل الحصول على حصتها من النفط، الذي بدأت تبرز أهميته الاقتصادية آنذاك.
وخلال مؤتمر سان ريمو في نيسان/ إبريل عام 1920، أقر الانتداب المشروط بالاستقلال دون تحديد موعد لذلك، فحصلت بريطانيا على صك الانتداب في فلسطين والضفة الشرقية لنهر الأردن والعراق، فيما نالت فرنسا حق الانتداب في سوريا ولبنان، قبل أن تتخلى عن كيليكيا عام 1921 لمصلحة تركيا التي غنمت لواء إسكندرون عام 1939، بالرغم من التبعية التاريخية والسكانية للوطن الأم سوريا، وفي 1922 وبعد سحق الثورات في فلسطين وسوريا والعراق، والضرب بيد من حديد لكل رافض للتواجد الفرنسي والبريطاني في المنطقة، صادقت عصبة الأمم على وضع هذه المناطق تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني.
ومن هناك بدأ عهد جديد في محاربة الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، إلى أن تكللت تلك الجهود بنيل الاستقلال تباعاً في البلاد التي قسمت جغرافيتها في اتفاقية سايكس بيكو التي دبرت بليل، ومن هناك أيضاً بدأت مساع لتوحيد تلك البلاد بمبادرات عديدة لكن باءت كل المحاولات بالفشل، في ظل سيطرة المصلحة الشخصية على تفكير القادة والزعماء في ذلك الوقت على مصلحة الشعوب التي اندثرت أحلامها شيئاً فشيئاً في حصول وحدة شاملة عابرة للحدود المرسومة من قبل المستعمرين، لا سيما مع كثرة الانقلابات العسكرية التي شهدتها تلك البلدان في فترة ما بعد الاستقلال.
الحكومات التي تولت الحكم عقب خروج المستعمرين، والحكومات التي تلتها فيما بعد، رسخت بتشريعاتها وتصرفاتها الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو، بل وحافظت عليها الجيوش العربية بإخلاص منقطع النظير وخاضت حروباً فيما بينها من أجل الحفاظ عليها.
إذاً دول غريبة عن المنطقة قسمتها، وحكومات من أبناء المنطقة حافظت على تلك التقسيمات، بل وخصصت جل ميزانياتها من أجل التمترس خلفها، متناسية تطوير البلاد، وتحديث البنى التحتية، وتحسين الواقع المعيشي للسكان، الذين بات معظمهم يرزحون تحت خط الفقر، وانصرفت لخلق أعداء وهميين في الداخل لمحاربتهم، مثلهم في ذلك كمثل دون كيشوت عندما حاول مقارعة طواحين الهواء في رواية الأديب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس.
اتفاقية سايكس بيكو أبزرت للعالم أجمع أن ما يعرف بالدول العظمى عبر التاريخ تعمل حسب مصالحها، وفي سبيل ذلك مستعدة للتخلي عن كل الصداقات وكل العلاقات، فهناك هدف أسمى وفق تصنيفاتها يجب الوصول إليه، فمقولة “الغاية تبرر الوسيلة” المنسوبة للمفكر والسياسي الإيطالي نيكولو ماكيافيللي إبان عصر النهضة في القارة الأوروبية في القرن الخامس عشر، باتت نهج تسير عليه تلك الدول إلى يومنا هذا، فهل يتعظ حكام اليوم في البلاد العربية من عبر التاريخ، وينشدون سلاماً داخلياً مع محيطهم، ويتفرغون لإرساء مبادئ الديمقراطية في بلدانهم، لعل وعسى يلحقون بركب الدول المتقدمة التي تسبقهم بأشواط، في مجال الحريات وحقوق الإنسان.
