عادة ما تحتفل الدول والشعوب بجلاء المحتل عنها بيوم وطني، يعد تكريماً لكل من قاوم وضحى بالغالي والنفيس في سبيل رؤية هذا اليوم على أرض الواقع، وسوريا ليست بمنأى عن هذا التقليد، إذ تحتفل البلاد في مثل هذا اليوم من كل عام بعيد جلاء المستعمر الفرنسي عنها.
لم يدم الاحتلال الفرنسي في سوريا كثيراً، فقط ستةً وعشرين عاماً، وخلال هذه المدة، لم يستكن السوريون للمحتلين، وكانت الثورات حاضرة في عموم المناطق السورية، كالثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، وثورة الشيخ صالح العلي في المنطقة الساحلية، وثورة الشمال بقيادة إبراهيم هنانو.
بالمقابل لم يدخر الفرنسيون جهداً أو سلاحاً لتمزيق الوطن السوري، ولا توجد مدينة أو قرية في سوريا إلا وطالها الظلم الفرنسي طيلة سنوات الاحتلال التي تجاوزت ربع قرن من الزمن.
سوريا التاريخية أو الطبيعية خبرت طعم الاحتلال قبل معركة ميسلون في الـ 24 من تموز/ يوليو عام 1920، والتي خاضها السوريون رغم قلتهم بقيادة يوسف العظمة في وجه القوات الفرنسية المجهزة بالعديد والعدة الحديثة آنذاك.
الاحتلال الأول لسوريا كان قبل ذلك بقرون، إذ كانت معركة مرج دابق في آب/ أغسطس من عام 1516 بين المماليك والدولة العثمانية بوابة لدخول الأخيرة إلى سوريا ومنها إلى البلاد العربية الأخرى في السنوات التالية.
الاحتلال العثماني لسوريا استمر أكثر من أربعة قرون، وكان خروجهم منها رسمياً مع نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، وخلال هذه المدة الطويلة مارس العثمانيون ومن والاهم الظلم والاستبداد على من خالفهم من العباد.
مقارنة الواقع السوري بين احتلالين أحدهما استمر أربعة قرون، والآخر استمر ربع قرن، هي فعلياً مقارنة بين سيئين، إلا أن الأرقام والحقائق تفرض نفسها، وتظهر بأن فرنسا ورغم أنها كانت دولة احتلال إلا أنها عملت على تطوير البلاد، من حيث إنشاء المدارس والمستشفيات، وبناء البنى التحتية التي خدمت السكان إلى ما بعد خروجها من سوريا بسنوات.
وعلى النقيض من ذلك، انتقلت سوريا مع الاحتلال العثماني إلى عهد من الظلام والجهل، فانعدم دور المدارس، وتخلف الطب في البلاد، كما كان تطوير أدوات العمل في الزراعة أو الصناعة آخر اهتمامات الولاة العثمانيين، الذين آثروا على ذلك فرض الإتاوات على الفلاحين والتجار، لملء خزائنهم وخزائن الدولة بالذهب.
ربما نحن هنا لسنا بوارد تجميل الاحتلال الفرنسي وذكر فضائله، فأي احتلال هو سيِّئ بالمطلق ، ولكن حري بالسوريين الاحتفال برحيل العثمانيين عن بلادهم، أسوة باحتفالهم بجلاء الفرنسيين عنهم، فكلاهما محتل، وكلاهما ذاق السوريون معهم أشد أنواع العذاب.
