في منتصف القرن الماضي، وبينما كانت منطقة الشرق الأوسط تشهد توتراتٍ واضطراباتٍ داخلية لإعادة الأمور إلى نصابها، بعد خروج الدول المُستعمِرة من المنطقة، حيث وجدت أغلب شعوب المنطقة الفرصةَ سانحةً لإثبات وجودها وتولّي إدارة شؤونها بنفسها دون وصاية، وقعت حروبٌ ونزاعاتٌ عديدة، إذ تمكّنت بعض الأطراف من تحقيق مآربها، إلّا أن البعض الآخرَ كان ضحية مؤامراتٍ حيكت بمنأىً عنه، حتى يكونَ غنيمةً يتقاسمها المتآمرون فيما بينهم أو يجعلونها ورقةً للمفاوضة والضغط، وذلك على حساب نيل حريتهم.
لعل من أبرز تلك الأحداث اتفاقيةُ الجزائر التي تم توقيعها بين شاه إيران محمد رضا بهلوي ونائب الرئيس العراقي حينذاك صدام حسين، وما بثّته من خيبة أملٍ كبيرة بالنسبة للشعب الكردي الذي قاد ثورته لنيل حريته خلال ستينيات القرن الماضي، في محاولةٍ منه للتخلص من تدخّل الأطراف الخارجية بشؤونه الداخلية والعمل على إنشاء إدارةٍ كرديةٍ مستقلة، ولا سيّما في مناطق قوته بإقليم كردستان في شمال العراق.
خيار الثورة بعد إغلاق الحلول السياسية والسلمية
لم يلجأِ الكرد إلى القتال إلا بعد استنفاد جميع الحلول السياسية والسلمية مع الحكومات المتعاقبة على العراق، تلك الحكومات التي واجهت مطالبَ الكرد القومية بالرفض، ورفضت كل الحلول السلمية إلا خيارَ الحرب وسفك الدماء.
الثورة الكردية كانت بقيادة مصطفى البارزاني بينما ساهمَ في الجانب العراقي قادةٌ عسكريون منهم “خليل الدباغ” و”سعيد حمو” و”عبد الجبار شنشل”، وتصاعدت حدّة المعارك حينها لتسير الأمور إلى حربٍ طويلة ضد الجيش العراقي، وذلك على الرغم من التغيرات التي حصلت في السلطة الداخلية العراقية خلال فترة الحرب، حتى انتهت تلك الحرب بانتصارٍ كردي في عام 1970، نجم عنه سلسلةٌ من المفاوضات العراقية الكردية لحلِّ النزاع، ما أدى إلى اتفاق الحكم الذاتي في نفس العام، هذا بعد أن خلّف الصراع ما بين 75000 إلى 105000 ضحية.
لم تكن هذه الثورة هي بدايةُ آمال الكرد في الحصول على الحرية في القرن العشرين إنما بدأ الأمرُ عَقب هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، وتنفُّس شعوب المنطقة الصعداءَ للحصول على الحرية والاستقلال بعد قرونٍ من الكبت والاستغلال.
وأد الثورة الكردية بتوقيع اتفاقية الجزائر
وبعد أن فشلت خطة السلام هذه، عادت القوات العراقية لتشن هجوماً على المناطق الكردية، لتعود الحرب من جديد، حيث استمرت حتى عام 1975 وخلال هذه الفترة كانت الثورة الكردية في أوج قوتها حتى بات النظام الحاكم في بغداد يخشى من تحقيقها النصر، لذا عمد النظام العراقي إلى الاستفادة من الأزمة الحاصلة بينه وبين إيران بشأن الحدود في منطقة شطِّ العرب، وزجّها في مسألة حربه ضد الثورة الكردية، إذ وجد النظام العراقي أن التخلّي عن جزءٍ من شط العرب لإيران، التي كانت تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي آنذاك، قد يجعلها تكفُّ يدَها عن دعم الثورة الكردية المتنامية، وذلك بعد أن عجز عن هزيمتها عسكرياً.
وبالفعل فقد حصل ذلك في آذار مارس من عام 1975 حيث تم التوقيع على اتفاقية الجزائر، فقد أعلنها الرئيس الجزائري هواري بو مدين في نهاية اجتماعات قمّة دول أوبك، إذ نصَّ الاتفاق على وقف إيران دعمَها للثورة الكردية مقابل تنازل العراق عن حقوقه في المعاهدات السابقة بالسيادة على الممر المائي واعتماد خط الثالوث أساساً لترسيم حدود شط العرب، وهذا التنازل الذي قدّمه صدام حسين لشاه إيران كان بالدرجة الأولى لإجهاض الثورة الكردية وإفشال مساعي الكرد بالحصول على حكمٍ ذاتي.
وباعتبار منطقة الثورة الكردية كانت حبيسةً ولا تُشرف على ممرٍّ مائي، فإنها كانت تعتمد على بعض الحلفاء لتأمين الدعم اللازم من عتادٍ ومؤونة، وذلك في الوقت الذي كان فيه النظام التركي قد أغلق الحدودَ بشكلٍ تامٍ خوفاً من تنامي المشاعر الثورية لدى الكرد في المناطق المتاخمة في الداخل التركي.
وبعد أن شَهِدت إيران اضطراباتٍ أُطيح على إثرها بنظام الشاه محمد رضا بهلوي 1979 وتسلّم آية الله الخميني السلطةَ في البلاد، في ظل هذه الفوضى استغلَّ نظام الحكم في العراق الفرصةَ ليطالب بمراجعة اتفاقية الجزائر وتطبيع العلاقات بين البلدين، فعاد التوتّر بين البلدين ليتصاعد من جديد، وسط تبادل الاتهامات بدعم أطراف معارضةٍ في البلد الآخر، فتطوّر الأمر إلى قصفٍ متبادل على المناطق الحدودية.
وفي أيلول سبتمبر عام 1980 عمد صدام حسين بعد استلامه الحكمَ في العراق إلى إلغاء اتفاقية الجزائر، والمطالبة بعودة السيادة العراقية على كامل شط العرب، وكفِّ إيران عن التدخل في الشؤون الداخلية للعراق، بدورها اعتبرت إيران الخمينية ذلك إيذاناً بالحرب عليها، ما جعل صدام حسين يدفع بقواته داخل الأراضي الإيرانية لتبدأ حربٌ طاحنةٌ ودموية بين البلدين.
القضية الكردية ضحية لسياسات مريضة
ليست القضية الكردية مُجرّد مسألةٍ عابرة، إنها قضيةٌ كبيرةٌ ألقت بثقلها على منطقة الشرق الأوسط، لأنها جزءٌ لا يتجزّأ منها، وفي حال عدم إيجاد حلولٍ لها فإن لها انعكاساتٍ أمنيةً خطيرة على الأمن الإقليمي والدولي، لأنها قضيةٌ واضحةٌ لا لبسَ فيها، ولديها جميع مقومات وعناصر القضية العادلة، وهي ما تزال تنتظر حلّاً عادلاً وَفقاً للقانون الدولي.
إن ما يعانيه الشرق الأوسط من أزماتٍ اقتصادية وسياسية، وما يتبعها من التخلف والركود الحضاري، إضافةً إلى سيطرة العقلية الشوفينية المريضة التي تتجاهل حقوق الآخرين في الحياة، كلُّ ذلك من أبرز ما يعرقل حلَّ المسائل القومية في المنطقة بشكلٍ عام، هذا علاوةً على البُنية السياسية الهشة لتلك الدول، التي نالت استقلالها حديثاً وما تزال مرتبطةً اقتصادياً بالدول الاستعمارية وتابعة لها.
وبالنظر إلى ذلك فقد باتَ من الضروري إيلاء القضية الكردية اهتماماً كافياً من قبل شعوب المنطقة والقوى الديمقراطية والمجتمع الدولي ولا سيما في ظل التطوّرات والمستجدات على الساحة الدولية نحو إقامة نظامٍ دولي جديد، وإيجاد حلولٍ سلميةٍ للقضايا والنزاعات الإقليمية، فالقضية الكُردية باتت من القضايا العالقة دون إيجاد حلولٍ مناسبة لها، بسبب سياسات الدول الإقليمية التي لا تشاطرها آفاق الحلول والاتفاق، كما أن هذه القضية دليلٌ واضحٌ على فشل المنظومة السياسية الدولية في حل المشكلات الدولية المحورية، العالقة منذ أكثرَ من قرنٍ من الزمن.
للشعب الكردي الحقُ الكاملُ في تقرير مصيره، أسوةً ببقية الشعوب في المنطقة، إلا أن الأجندات الدولية ما زالت تلتفُّ عن الحلول المناسبة لإرضاء مصالحها دون اعتبارٍ للشعب الذي بات مهضومَ الحقوق، ولم يحصل على أدنى حقوقه، حاله كحال بقية الشعوب في تقرير المصير.
بالنسبة للشعب الكردي كانت نتائج اتفاقية الجزائر كارثيةً وصادمةً ومخيبة للآمال، وتكمن قوة هذه الصدمة بالنظر إلى الآمال الكبيرة التي كانت مُعلّقةً على الثورة الكردية، وما تتسم به من قوةٍ وعزيمةٍ وغلبة، إذ كان تعداد مقاتليها بين خمسين ألف مقاتلٍ إلى سبعين ألف، كما كانت تمتلك أسلحةً ثقيلةً وتسيطر على مساحاتٍ واسعةٍ من أراضي كردستان في شمال العراق.
