في مثل هذا اليوم وقبل ثلاث سنوات كانت مدينتا رأس العين وتل أبيض الآمنتان بشمال شرق سوريا على موعدٍ مع هجومٍ بريٍّ وجوي بعد أيامٍ وشهور من تهديدات رئيس النظام التركي رجب أردوغان باحتلال تلك المنطقة وتغيير ديمغرافيتها.
من على منبر الجمعية العامّة للأمم المتحدة في الرابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر عام ألفين وتسعة عشر، أشهر أردوغان خارطته الاحتلالية دون أن يلقى أيَّ اعتراضٍ من أحد أعضاء تلك الجمعية، وبعدها بأيام نفّذ رئيس النظام التركي وبتواطؤٍ دوليٍّ ما أعلنه في ذلك اليوم.
أردوغان الذي جهر بمشروعه الاستيطاني في شمال سوريا، قال حينها إنه سيوطّن نحو مليوني شخص في تلك المناطق وكأنه ليس لتلك الأراضي أصحابٌ وفلاحون رُوُوها على مر السنين بعرقهم ودماء أجدادهم.
هجوم الاحتلال التركي والفصائل التابعة له في التاسع من تشرين الأول أكتوبر عام ألفين وتسعة عشر على مدينتي رأس العين وتل أبيض وريفيهما، أسفر عن تهجير أكثر من ثلاثمئة ألف شخص، ومقتل عشرات المدنيين، خلال الأيام الأولى من الهجوم العشوائي الذي استخدم فيه الاحتلال، وَفق تقاريرِ المؤسسات الطبية، الأسلحةَ المحرمة دولياً، ومن بينها الفسفور الأبيض.
وبعد مرور ثلاث سنوات لا يزال الاحتلال التركي يواصل سياسة التغيير الديمغرافي، من خلال الاستيلاء على أراضي السكان الأصليين وأملاكهم في المنطقة التي كانت تضم الكرد والعرب والشيشان والأرمن والسريان والعديد من المكونات.
تقاريرُ حقوقية عديدة أكدت استيلاء الاحتلال على أملاك المدنيين، وتحويلها إلى قواعدَ عسكرية، كما حصل في قرية الداوودية بريف رأس العين، إذ حول القرية بأكملها لقاعدةٍ عسكرية بعد تهجير سكانها الأصليين، وفي آذار/ مارس من العام الجاري، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان أنّ عناصر فرقة الحمزة الإرهابية أقدموا على جرف مساحاتٍ واسعةٍ تشمل منازلَ وأراضيَ زراعية تعود ملكيتها لأبناء عائلة واحدة في قرية عين الحصان بريف رأس العين الجنوبي، بهدف تحويلها لمنطقةٍ عسكرية.
ويأتي هذا في وقتٍ يواصل فيه الاحتلال سياسة التتريك في المنطقة، وتغيير هويتها من خلال فرض اللغة التركية على السكان، إضافةً إلى فرض عملته للتداول في تلك المناطق، هذا عدا ربط مدينتي رأس العين وتل أبيض إدارياً بولاية “شانلي أورفا” في تركيا.
باقون وعائدون.. مهجرون يتطلعون للعودة الآمنة وتحرير مدنهم
باقون وعائدون هو شعارٌ رفعته لجنة مهجري رأس العين منذ تأسيسها، ورغم كل الظروف الصعبة التي مروا بها لا يزال المهجرون متمسكين بحقهم في العودة، والعيش بسلام في مدنهم وقراهم بعد تحريرها من الفصائل التي عاثت فيها فساداً.
المناطق المحتلة تحولت إلى ملاذ للتنظيمات الإرهابية والإتجار بالبشر
المناطق التي كانت آمنة وتتعايش فيها مختلف المكونات باتت اليوم شبه خالية من سكانها الأصليين، فيما تمارس الفصائل الإرهابية أفظع الانتهاكات بشكل يومي بحق القلة القلية المتبقية من قتلٍ واختطافٍ واستيلاءٍ على الممتلكات، إضافة إلى الانفلات الأمني نتيجة الاقتتال الداخلي بين تلك الفصائل على طرق الإتجار بالبشر، وما تم نهبه وسرقته من أملاك المدنيين.
المنطقة تحوّلت أيضاً إلى ملاذٍ آمنٍ لعناصر التنظيمات الإرهابية، حتى أنّ راية داعش باتت ترفع على مرأى جنود الاحتلال دون أن يحركوا ساكناً، هذا عدا الضربات الجوية التي ينفذها التحالف الدولي لمحاربة داعش بين الفينة والأخرى مستهدفاً قادة التنظيم الإرهابي الموجودين هناك.
ثلاثُ سنواتٍ مرّت على احتلال مدينتي رأس العين وتل أبيض ومئات القرى التابعة لهما التي تحولت وَفق العديد من التقارير الحقوقية والصحفية إلى ملاذٍ آمنٍ للإرهابيين، ممّا يشكّل خطراً على الأمن الإقليمي والعالمي، ويبقى الخيار الوحيد تحرير تلك المناطق من تركيا والفصائل الإرهابية التابعة لها لتعود كما كانت عليه مكاناً للتعايش والسلام والأمن.
