منذ أكثر من أربعين عاماً، تعيش الشعوب الإيرانية عنفاً لا متناهياً من قبل السلطة، التي تتخذ الدين ستاراً لتنفيذ أجنداتها في تكميم الأفواه المعارضة لها، كما أنها تحكم البلاد بقبضة من حديد، رغم الدعوات الدولية لها للكف عن ذلك.
هذا هو الواقع في إيران منذ أربعة عقود، سلطة مستبدة وشعب مضطهد، وعلى مدار تلك السنوات، قلما خرق الشعب قواعد اللعبة المبنية على أساس القمع الديني الممارس من أجهزة الدولة، والحرمان من أبسط الحقوق.
في إيران، الكل يعاني، لكن معاناة الكرد مضاعفةٌ، ومعاناة النساء الكرديات أضعاف مضاعفة، ولربما لكل كردي في إيران، ولكل امرأة كردية قصة مع قمع السلطة، وأحدث القصص هذه حولت البلاد إلى شعلة من احتجاجات ومظاهرات نادت بسقوط رأس السلطة في البلاد المرشد علي خامنئي.
بطلة القصة شابة كردية عشرينية حرمت من اسمها الكردي “جينا” لتسمها السلطات وفق قوانينها بـ “مهسا”، جينا أو مهسا أميني كانت رفقة أخيها في العاصمة طهران في الثالث عشر من أيلول/ سبتمبر الجاري عندما اعتقلها عناصر ما تسمى شرطة الأخلاق بذريعة عدم التزامها بقواعد الثياب المفروضة على النساء.
وما هي إلا ساعات قليلة حتى نقلت أميني من مركز الاحتجاز التابع لشرطة الأخلاق إلى مشفى قصري في طهران، وفقاً لما أفادت به شرطة العاصمة، ومن ثم أعلنت السلطات وفاتها في المشفى بعد بقائها في غيبوبة لأيام.
مقتل مهسا أميني أذكى الجمر الخامد تحت الرماد، فخرج الآلاف من معظم المدن الإيرانية رافضين سياسات القمع الممنهجة التي تمارسها الدولة، رغم محاولات الأخيرة في احتواء الموضوع عبر تصريحات مسؤوليها الذين أكدوا أن وفاة أميني جاءت على خلفية إصابتها بما أسموه “قصور مفاجئ في القلب”.
في العقد الأخير واجهت إيران بقبضتها الأمنية الكثير من الاحتجاجات، لكن ما هو مختلف الآن هو المرأة التي تصدرت المشهد في المظاهرات، إذ خلعت بعض النساء حجابهن، والبعض الآخر أحرقنه، فيما اختارت أخريات الرقص في الشارع، دونما خوف ممن يدعون الوصاية على لباسها وحشمتها وأخلاقها.
” المرأة، الحياة، الحرية” ثلاث كلمات أوقدت جذوة المظاهرات في إيران، وأدخلت الرعب في قلوب أجهزة السلطة الأمنية، كما كانت جاثمة كالكابوس على صدور مسؤولي الدولة التي طالب رئيسها إبراهيم رئيسي قوى الأمن التعامل بحزم مع المحتجين والضرب بيد من حديد للقضاء على الاحتجاجات، ما خلف أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى وكذلك الاعتقالات التعسفية.
ومع الأيام الأولى للاحتجاجات المستمرة منذ قرابة أسبوعين، ظهرت موجة من التضامن مع النساء الإيرانيات حول العالم، عبر مظاهرات تنادي بنيل المرأة الإيرانية كافة حقوقها، وتندد بعنف السلطة.
ربما لن تسقط هذه المظاهرات نظام الحكم القائم الآن في إيران وفق معظم التقارير الإعلامية، لكنها وبدون شك ستغير وجه إيران إلى الأبد، فإيران ما قبل مقتل مهسا أميني ستختلف حتماً عما ستكون بعده.
ونختم حديثنا هذا بكلمات استفتح بها الكاتب السوري ممدوح عدوان مسرحيته الغول الصادرة عام 1996، لعل بها يتعظ المستبدون، والنص يقول:
“لن تهرب منا حتى بالنوم، ستلاحقك ضحاياك بنقمتها، بالثأر ولن يكفيها اللوم… وضحاياك ولو كممت شكواها، ستطاردك ولو صارت أشباح”.
