الصدامُ بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، آيلٌ إلى مزيدٍ من التصعيد. إذ لم تكفِ العالمَ الحربُ الدائرة بين روسيا وأوكرانيا المدعومة من المحور الغربي كلّه، ويبدو أن الحربَ المقبلة هي حربٌ سيبرانية بامتياز، وصراعٌ على مَن يتحكم بفضاء المعلومات.
الغربُ يتهم موسكو بالتحضير لهجماتٍ سيبرانية ضدَّ المصالح الغربية، تماماً مثلما اتّهمها بالتحضيرِ لهجومٍ بيولوجيّ أو كيميائي… لكنّ هذا الكلامَ يبقى في إطار التّهم فقط، من دون كشفِ أيِّ دليلٍ عليه.
أمّا موسكو، فترفضُ هذه التهم، وتعتبر أنّها تأتي في إطار “الدعاية” التي تمارسُها الولاياتُ المتحدة مع الدول الرئيسية في حلف شمالي الأطلسي (الناتو) ضد روسيا، وكذلك تأتي في إطارِ البحث عن طريقةٍ للردّ على أيّ هجومٍ سيبراني “بأساليبَ تقليديّةٍ عسكرية”، ومن خلال قراءة القانون الدولي بطريقةٍ تؤدّي إلى “عسكرة فضاء المعلومات”.
وعليه، ترى موسكو أنّ أفضلَ الحلول لضمانِ أمن المعلومات على المستوى الدوليّ هو “تعزيزُ صلاحيات منظمة الأمم المتحدة” في مجال تكنولوجيا المعلومات والقوانين الدولية الناظمة لهذا المجال.
وبناءً عليه، تقول المصادرُ الروسيّةُ إنّ القيادةَ السياسيّةَ في الولايات المتحدة هي مَن كانت “السبَّاقة في شنّ الهجمات السيبرانية في جميعِ أنحاء العالم”، لأنّ ذلكَ كان بمثابة “ضمانةٍ للهيمنة الأمريكية الجيوسياسيّة على جميع الموضوعاتِ التي تخصّ مجالَ المعلومات”.
كما ترى المصادرُ أنّ تحديدَ الجهة المسؤولة عن أيّ هجومٍ سيبراني حول العالم بشكلٍ موثوق ومؤكّد، “لا يمكن أن يتمّ إلاّ بعد كسر الاحتكار” الذي تمارسُه الولايات المتحدة على شبكة البيانات العالمية، فتكشف أنّ واشنطن تتصدّى بقوةٍ لأيّ محاولة من هذا النوع، وذلك من أجلِ “ضمان سيطرتها الكاملة على الشبكة”، وبالتالي من أجل “مواصلةِ تحكمها المطلقِ على مجال تكنولوجيا المعلومات”.
وتعطي المصادرُ الروسيّةُ أمثلةً عن ممارساتٍ قامت بها واشنطن ولم تحترم خصوصيّةَ مواطني دولٍ حليفة لها، فتكشف أنّ الولايات المتحدة “تنتهكُ باستمرار النظامَ الأوروبي لحماية البيانات” الذي اعتمدَه الاتحادُ الأوروبي عام 2018، “وتهدّد الأمنَ الشخصي للمواطنين الأوروبيين”، وهو ما يجعلُ التعايشَ بين البنى التحية الأمريكية وصديقتها الأوروبية غيرَ قابلةٍ للتعايش، بسببِ الهيمنةِ الأمريكيّةِ القادرة دوماً على خلق الشروطِ المسبقة لـ”انتهاك سيادة الدول الحليفة”.
كل هذا يُنبىء بأنّ المرحلةَ المقبلةَ من الحرب الأوكرانية قد تتوسّع. وربّما تتحوّل إلى حربٍ عالمية ثالثة افتراضيّة، تطالُ المجالَ السيبرانيّ… ويبدو أن الولاياتِ المتحدة الأمريكية وحلفاءها يتحضَّرون لهذه المعركة ويعدّونَ لها العدّةَ القانونية واللوجستيّة والإعلامية.
