تُعدّ خطوة البرلمان التركي في تمرير “القانون الإطاري”، بعد لقاء وفد إمرالي مع السيد عبد الله أوجلان الأسبوع الماضي، تحوّلًا ملموسًا في مسار العملية السياسية. فقد اجتاز “القانون الإطاري” لجنةَ العدل، والهيئةَ العامة للمجلس، لتدخلَ “المسألة الكردية”، لأول مرة منذ قرن، إلى جدول أعمال البرلمان، الأمر الذي فتح الباب السياسي أمام الحل.
غير أنّ هذا الإنجاز لا يخلو من نواقصَ؛ إذ يظلّ غيابُ ضمانةٍ صريحةٍ للحقوق القومية والديمقراطية للشعب الكردي في “القانون الإطاري” ثغرةً جوهرية. ومع ذلك، كشفت هذه الخطوة أنّ سياسةَ الإنكار والإبادة عبر الوسائل العسكرية لم تَعُدْ قابلةً للاستمرار. فعلى امتداد مئة عام، لجأت القُوى الاستعماريةُ إلى إنكار نضال الكرد من أجل الحرية، ثُمّ إلى تجريمِه، واستعملت وصمةَ “الإرهاب” لإخراج القضية الكردية وقضيةِ كردستان، فضلًا عن القادة والروّادِ الكرد من دائرة السياسة، متجاهلةً المطالبَ المحقّةَ المشروعة.
وفي هذه النقطة بالذات يبرز نضالُ حركةِ حريةِ كردستان وقائدِها السيد أوجلان من أجل السلام على مدى ثلاثين عامًا؛ إذ لم يقتصر هذا النضالُ على الساحة التركية، بل نقلَ المسألةَ الكردية، على المستويَيْن الإقليمي والعالمي – من خانتَي “الإرهاب” و”التجريم” إلى أرضيةٍ سياسية. وقد كسرت عملية “السلام والمجتمع الديمقراطي” التي أطلقها السيد أوجلان مجددًا في 27 شباط/ فبراير 2025، طابوهاتِ سياسةِ الإنكار والإبادة الممتدة منذ قرن. وكما قال في اللقاء “هذه العملية ستريحُ المِنطَقة كلَّها؛ إنها ليست حاجةَ فئةٍ واحدة، بل حاجةُ كلِّ الشعوب.”
لقد بيّنت هاتان الجملتان أنّ المسألةَ لم تَعُدْ عنوانًا أمنيًا ضيّقًا، بل صارت قضيةً ديمقراطيةً تهمّ تركيا والمنطقةَ برمّتها. غيرَ أنّ حصيلة ما يقارب خمسين عامًا من الصراع تظلّ ثقيلة؛ عشراتُ آلاف القتلى، وسبعةَ عشرَ ألفَ جريمةٍ مجهولة الفاعل، وتفريغُ ما يقارب أربعةَ آلافِ قرية، ونزوحُ الملايين، وخَسارةٌ اقتصاديةٌ تُقدَّر بما بين 3 و4 تريليونات دولار. ولا يتعلق الأمر بالمال الخارج من الميزانية وحدَها، بل بمدنٍ لم تصلها الاستثمارات، ومصانعَ أُغلقت، وأطفالٍ لم يدخلوا المدارس، وعائلاتٍ اقتُلعت من أراضيها. وتُضافُ إلى ذلك فاتورةٌ غيرُ مرئيةٍ تتمثل في جرح الأرواح؛ انعدامُ الثقة الذي خلّفته الجرائم المجهولة، وتراجعُ الحوار بين الشعوب، وتآكلُ الأخلاق المجتمعية. والحرب لم تُصِبِ الجغرافيا في جسدها فحسب، بل أنهكتْها وأتعبتْها روحياً أيضًا.
لذلك، ليس ما يُناقَش اليوم حزمةَ قوانينَ ضيقةً، بل عقدٌ اجتماعيٌّ جديد يحتضن المجتمعَ بأسره. فتركيا جغرافيةٌ متعددةُ القوميات واللغات والمعتقدات، تعيش فيها، منذ قرون، الشعوبُ التركية والكردية والعربية واللاز والروم والأرمن والشركس، إلى جانب هُوِيَّاتٍ أخرى كثيرة، فيما تتعايش الطوائفُ والمعتقداتُ المختلفة جيرانًا في الحيِّ الواحد. وفي ظل هذا التنوّع، لا يمكن للسلام أنْ يتحقق إلاّ في إطار نظامٍ دستوري ديمقراطي؛ لأنّ الدستور ليس نصًّا يُكرّسُ تفوّقَ شعبٍ على آخر، بل نصًّا يضمن المواطنة المتساوية للجميع.
وهنا لا بد من العودة إلى التاريخ. إذ كُتب دستور 1921 على أرضيةٍ أكثرَ تعدديةً، يفسح المجالَ للإدارات المحلية ولا ينكرُ وجود الهويات المختلفة. أمّا نموذجُ الدولةِ القومية الذي تأسس مع معاهدة لوزان عام 1923، ودستورُ 1924، فقد سار على خطٍّ أحادي. ومنذ ذلك الحين، أُطيل أمدُ “المسألة الكردية” مئةَ عامٍ عَبْرَ سياساتِ الإنكار والاستيعاب، ولم يكنِ الشعبُ الكردي وحدَه المتضرر من هذه الإطالة، بل خسرت تركيا أيضًا على الصعيدَين الاقتصادي والسياسي: إذ ذهبتِ المواردُ إلى محاولات تحقيق الأمن المفقود، وتأخرتِ الديمقراطية، وبقيتْ قدراتُ المِنطقة الكامنة غيرَ مستثمرة.
في الواقع الراهن الذي وصلنا إليه، يرتكز نضالُ السيّد أوجلان من أجل السلام والاندماجِ الديمقراطي على هذه الخلفية التاريخية. لقد دعا إلى السلام مراتٍ عديدةً على مدى ثلاثين عامًا، وكان المجتمعُ شاهدًا على تلك الدعوات. غيرَ أنّ الجديدَ اليوم هو أنّ الدعوةَ لم تَعُدْ موجّهةً إلى فئةٍ واحدة، بل إلى تركيا وشعوبِ المِنطقة جميعًا. ولذلك تكتسي جملةُ “هذه ليست حاجةَ فئةٍ واحدة، بل حاجةُ كلِّ الشعوب” أهميةً بالغة؛ لأنّ السلامَ لا ينمو بالانقسام، بل بتعزيز الصداقة التاريخية بين الشعوب.
وفي هذه النقطة بالذات، لا يمكن الفصلُ بين الخطوات الكفيلة بضمان السلام؛ فهي مترابطةٌ فيما بينها، وما إنْ تُتّخذْ على نحوٍ منفردٍ حتى يتضرّرَ منسوبُ الثقة. وفي مقدمة الخطواتُ التي ينبغي أنْ تُتخذ مجتمعةً:
أولًا، إطلاقُ سراح عشرات آلاف السجناء السياسيّين الموجودين في السجون بسبب حرية الفكر والرأي. فحين يبقى الناس سنواتٍ في السجن على خلفية أفكارهم، يفقد المجتمعُ ثقتَه بالدولة.
ثانيًا، إعادةُ الإرادة المحلية، بأنْ يعودَ الرؤساء المشاركون المنتخَبون من الشعب إلى مهامهم، وأنْ تَنتهيَ سياسةُ تعيينِ القيمين. إذ لا يمكن للديمقراطية أنْ توجدَ دونَ احترامِ إرادةِ الشعب في الانتخاب والترشّح.
ثالثًا، عودةُ السياسيّين الكرد في المنفى إلى الحياة السياسية دون أيِّ ملاحقة؛ بما يوسّع دائرة الحوار؛ ويدخل التجربةَ القائمة خارج البرلمان في صلب العملية.
رابعًا، حصولُ اللغة الكردية على وضعٍ رسميّ؛ إذ يُعَدُّ استخدامُ اللغة الأم في التعليم والقضاء والخِدْماتِ العامة المؤشرَ الأساسي على المواطنة المتساوية.
خامسًا، وهي الخطوةُ الأكثرُ أهميةً وحساسيةً، ضمانُ الحرية الجسدية للسيد أوجلان، بوصفه المهندسَ الرئيسَ للعملية. فمشاركةُ كبيرِ المفاوضين، الذي ناضل من أجل السلام ثلاثين عامًا، وقال عن المنطقة “سيستريح الجميع”، بشكلٍ مباشرٍ في تنسيق عملية “السلام والمجتمع الديمقراطي” من شأنها أنْ تُرسّخَ في المجتمع انطباعَ أنّ الدولة تريد السلام حقًا.
وهذه البنودُ الخمسة غيرُ قابلةٍ للمساومة؛ لأنّ المجتمعَ لم يعد يؤمن بالخطوات النصفية. فإمّا تغييرٌ شامل، وإمّا هدنةٌ هشّةٌ من جديد، وفرصة تحقيق السلام الدائم لا يُبنى إلا ّبهذه الحزمة.
والأمر هنا لا يقتصر على تركيا وحدَها، ففي سوريا والعراق وإيران تقع المسألة الكردية أيضًا في مركز السياسة الداخلية. فإذا تحقق الاندماج الديمقراطي في تركيا، سيكون له أثرٌ إيجابي على إقليم كردستان العراق وروج آفا والكرد في إيران؛ والعكس صحيح، فإذا حدث انسدادٌ في المسار التركي، ستتحرك خطوطُ الصدع الأخرى في المنطقة. بعبارة أخرى، إنّ الخطوةَ التي ستُتخذ في تركيا ستُمِدّ الشرقَ الأوسطَ كله بِأنفاسٍ جديدة، ولذلك تحمل هذه العمليةُ مسؤوليةً إقليميةً أيضًا.
فكيف إذن تبدأ عمليةُ تحوّلٍ كبيرٍ كهذه؟. الجواب جملةٌ واحدة هي: لغةُ السلام؛ لغةُ سلامٍ متبادلة لا تتّهم ولا تُقصي ولا تصنع رابحًا وخاسرًا. وتنطلق هذه اللغة من الإعلام أولًا؛
فالأسلوبُ المستخدَم في شاشات التلفزة والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي هو الذي يحدد المزاجَ العام للمجتمع؛ فعنوانُ الخبر وجملةُ المعلّق يغيّران الحديثَ على مائدة البيت، وإذا طبّع الإعلامُ الأمرَ طُبّع الشارعُ تلقائيًا. ويلي ذلك منبرُ البرلمان؛ فكما يتحدث النواب، يتحدث البيروقراطُ والشرطيُّ والمعلمُ والمحافظُ أيضًا، و “لغةُ نحن” التي تُبنى داخل البرلمان تنهي الشجارَ في الحي. ثمّ تأتي المدارس والمساجد والمقاهي. أيْ إنّ جميعَ مؤسسات الدولة، والمجتمعَ المدني ينبغي أنْ تتحدثَ بالنغمة ذاتِها: الأحزابُ، ومنظماتُ المجتمع المدني، والجيشُ، والشرطةُ، والإعلامُ. فإذا أُعطيت الرسالةُ نفسُها على نطاقٍ واسع، سيقول المجتمعُ ” إنّ الأمرَ جِدّيٌّ”؛ ويُصدّق.
والمجتمعُ مستعدٌّ لذلك؛ فهناك تعبٌ دام ثلاثين عامًا، وانعدامُ ثقةٍ، تركا أثرَهما على الناس، من الأمهات والعائلات المهجّرة والشباب. وتُظهر الأبحاثُ والملاحظاتُ الميدانية أنّ أكثرَ من ستين في المئة من الشعب مستعدّون للسلام، وقد أخذ الناسُ يردّدون الآن “كفى”، لأنّهم هم مَنْ دفعوا فاتورةَ الحرب أكثرَ من غيرهم؛ فالأزمةُ الاقتصادية والبطالةُ وانعدامُ الأمن تتراكم فوق بعضها بعضًا. وهذه الجاهزيةُ هي أكبرُ رأسِ مالٍ؛ فإذا جاءت خطوةٌ صادقةٌ من الأعلى، ستجد صداها في الأسفل.
غيرَ أنّ الأمرَ لن يكونَ يسيرًا؛ لأنّ كلَّ عمليةِ سلامٍ تقتضي مواجهةَ ما حدث في الماضي من جرائمَ مجهولة، وإخلاءِ القرى، وانتهاكاتِ الحقوق، وغيرَها. فلا يمكن تطهيرُ الذاكرة دون محاسبةٍ على هذه القضايا، ويستلزم ذلك مناقشةَ لجان الحقيقة وآلياتِ التعويض وعملياتِ الإعادة. فبدون عدالةٍ لا توجد ثقةٌ، وبدون ثقةٍ لا تأتي الاستثماراتُ، ولا ينمو الأمنُ في المجتمع، ولا تنهض المدنُ.
والبُعدُ الاقتصادي جزءٌ من ذلك أيضًا؛ فلو أنّ التريليوناتِ التي أُنفقت خلال ثلاثين عامًا استُثمرت في التعليم والصحة والصناعة، لكان وضعُ كردستان وتركيا مختلفًا تمامًا. ومن ثمّ، فإنّ أحدَ أوائل الأعمال، الواجبَ تنفيذُه عند مجيء السلام يتمثل في إعادةِ بناء الأماكن المدمّرة، وإعادةِ المهجّرين، وتوفيرِ فرص العمل للشباب. فالسلام ليس مفهومًا عاطفيًا فحسب، بل هو أيضًا مشروعُ تنميةٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ ومجتمعية؛ إذ ينبغي للشعوب أنْ تُعيدَ بناءَ نفسِها من خلال السلام المجتمعي وأنْ تواجهَ الماضيَ بصدق.
غير أنّ بعضَ الأوساطِ التي لا تُعلي قيمةَ السلام والسياسة الديمقراطية تردّد أنّ “هذا تنازل”، بينما يلجأ تجّارُ الحرب المتغذّون على الدم إلى كلّ أنواع الاستفزاز لتخريب العملية. والحقيقةُ عكس ذلك تمامًا؛ فالدولةُ التي تُصرّ على السلام هي التي لا تنكر الاختلافاتِ والهوياتِ، بل تضعها تحت ضمانٍ دستوري. إنّ الدولةَ الضعيفةَ تخافُ وتحظر، بينما الدولةُ القويةُ تثقُ وتحضُن. وهذا هو جوهرُ الدّستور الديمقراطي أيضًا: نصٌّ لا يرى في أيّ هويةٍ تهديدًا، ويجد فيه الجميعُ ذاتَهم.
وفي المحصلة، نحن أمام خِيارٍ جوهريّ: إمّا أنْ نستمرّ في دفع فاتورة الخمسين عامًا، وإمّا أنْ نفتحَ صفحةً جديدة.
الصفحةُ الأولى من هذه الصفحة ينبغي أنْ تكتبَها الأطرافُ الملتزمةُ بالسلام حتى النهاية في نضالِ الحقّ والقانون، في حين تُملأ الأسطرُ التالية؛ باللغة والتعليم والاقتصاد والتمثيل، على أنْ تُوضعَ في مطلعها لغةُ السلام.
وقد تلقى دعواتُ الثلاثين عامًا هذه المرةَ استجابةً؛ لأنّ المجتمعَ تعِب، ولأنّ أرواحَ الشعوب جرحتها الحربُ وأتعبتْها مخلفاتُها، ولأنّ الجميع يعلم الآن أنّ الحربَ لا تجعل أحدًا رابحًا، إذ إنّ الخاسرَ دائمًا هو الإنسانيةُ.
وإذا ما اتخذت تركيا هذه الخطوةَ، فستكون رائدةَ مناخٍ جديدٍ لا داخلَ حدودها فحسب، بل في الشرق الأوسط بأكمله؛ فسيقول الناسُ في سوريا والعراق وإيران: “لقد نجحت تركيا، ويمكننا نحن أيضًا أنْ ننجحَ”. ولذلك تظلّ المسؤوليةُ كبيرةً.
السلام لا يأتي في ليلةٍ واحدة، لكنّه يستطيع أنْ يبدأ بجملةٍ واحدة، وهذه الجملة هي: “نحن مواطنون متساوون في هذا البلد؛ وعلى الرغم من أنّنا نتحدث لغاتٍ مختلفة، فإنّنا نتشاركُ المستقبلَ نفسَه، وسنبني هذا المستقبلَ معًا.”
إعداد: أحمد حسن
