تشهد الساحة الرقمية العالمية تزايدًا ملحوظًا في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأدواتٍ فاعلة في تشكيل الرأي العام والتأثير على المجتمعات السياسية والاجتماعية في منطقة الشرق الأوسط بشكلٍ عام، وسوريا بشكلٍ خاص. وقد اكتسبت هذه الوسائل أبعادًا أكثر تعقيدًا، إذ تحوّلت إلى ساحاتٍ تُدار فيها النزاعات السياسية والإيديولوجية ضمن إطار ما يُعرف بـ”الحرب الإعلامية الرقمية”، إلى جانب تبنيها سياسةً جديدة لنشر خطاب التحريض الطائفي بين مختلف مكونات هذه المنطقة التي تتسم بتنوعها الفسيفسائي.
الحملات الرقمية لتأجيج النزاعات في سوريا
في الآونة الأخيرة شهدت منصات التواصل الاجتماعي حملةً رقمية مكثّفة تستهدف شمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، إذ كشفت الدراسات ومن ضمنها تحقيق موقع “مجتمع التحقق العربي” عن تورط حسابات إلكترونية لفصائل تابعة للحكومة السورية الانتقالية في إدارة هذه الحملة.
بدأ النشاط بعد تعثّر المفاوضات بين وفد شمال وشرق سوريا وحكومة دمشق، حيث تصدر وسم ” قسد-عدو-البلد” قائمةَ الوسوم الأكثر تداولًا في سوريا مع موجة اتهاماتٍ وشعارات تهدف إلى تشويه سمعة قسد ووطنيتها واتهامها بالارتباط بجهاتٍ خارجية ومحاولة تفتيت نسيجها الاجتماعي، بحسب الموقع.
ارتفع حجم المنشورات بشكل ملحوظ في الحادي عشر من تموز من العام الجاري، حيث تجاوز عددها أربعة آلاف وثلاثمئة وثمانية وستين منشورًا في يوم واحد، وشكلت إعادة النشر نسبة كبيرة من التفاعل، مما يشير إلى وجود حركةٍ منظمة ومدارة بشكل مركزي لتعزيز انتشار الحملة وتأثيرها.
وقدّر حجم وصول الحملة بنحو واحدٍ وعشرين فاصلة أربعة مليون مشاهدة وفق بيانات منصة “ميلت ووتر”، رغم أن الرقم قد يكون مضخماً نتيجة احتساب متابعي الحسابات دون تقييم التفاعل الفعلي.
تحليل المحتوى أظهر أن أربعةً وثمانين في المئة من المنشورات ضمن الوسم تحمل خطاباً سلبياً يشمل اتهاماتٍ متكررة مثل “خيانة” و”عمالة” و”تقسيم”، مع توجه أساسي للتحريض ضد قوات سوريا الديمقراطية.
اتساع رقعة التحريض الرقمي إلى دول الجوار
الانتشار الجغرافي للحملة غير محصور ضمن سوريا، حيث شهدت تفاعلاً واسعاً في السعودية، العراق، تركيا، والإمارات، مع أكثر من ثمانيةٍ وأربعين في المئة من المنشورات الصادرة من خارج سوريا، مما يعزز فرضية وجود شبكات تضخيم منظمة تهدف لتوسيع نطاق الحملة إقليمياً.
تحليل الشبكة الرقمية المرتبطة بالوسم كشف بنية اتصال مركزة تتمحور حول عدد محدود من الحسابات الرئيسية التي تنشر المحتوى وتدعمه عبر مجموعة واسعة من الحسابات الأخرى، ما يعكس نمطاً مركزياً منسقاً للحملة.
هيكلة تنظيمية للحملة عبر غرف تحكم رقمية
وباستخدام خوارزمية “لوفيين” لتحليل المجتمعات الشبكية، تم تحديد ثلاث كتل رئيسية شديدة الترابط داخل كل منها، وضعيفة الاتصال مع باقي الكتل، مما يشير إلى وجود “غرف تحكم” رقمية تدير كل كتلة بشكل مستقل، وتنسق العمل داخل مجموعاتها بإحكام.
رامي عبد الرحمن: جميع الحملات صادرة عن غرفة عمليات أسعد الشيباني
وفي حديث خاص لقناة اليوم حول هذه الحملة أكد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن أن جميع هذه الحسابات الإلكترونية مزيفة وتدار من قبل الذباب الإلكتروني التابع للحكومة السورية الانتقالية وتهدف إلى نشر معلومات مضللة وتضليل الرأي العام مما يساهم في زيادة الفوضى وزعزعة الاستقرار في شمال وشرق سوريا.
رامي عبد الرحمن أكد أن حملات التحريض والتشويه قد تصاعدت بشكل ملحوظ بعد انعقاد مؤتمر وحدة موقف لمكونات شمال وشرق سوريا ولكن هذه المرة بأساليب مختلفة وأكثر تعقيدًا.
وشدد عبد الرحمن في حديثه على أن أسعد الشيباني يظهر في خطابه كالحمل الوديع لكنه في الواقع يقوم بتشويه سمعة كل من يعارض الحكومة السورية الانتقالية، مضيفاً أنهم حظروا ظهور المرصد الحقوقي وبالأخص شخصه على القنوات العربية والوكالات العالمية وزادوا من حملة التشويه المنهجية ضده.
تأثير الحملات الرقمية على السلم الأهلي في المنطقة
تسعى الحكومة الانتقالية من خلال حملاتها الرقمية المنظمة إلى إشعال فتيل التحريض الطائفي بين مكونات شمال وشرق سوريا، مستهدفةً بشكلٍ مباشر النسيج الاجتماعي المتماسك الذي بنته هذه المنطقة على مدار سنوات طويلة من النضال، بدءًا من ثورة التاسع عشر من تموز وحتى الجهود الحثيثة التي تبذلها الإدارة الذاتية لتعزيز العيش المشترك والسلم الأهلي، إذ تهدف هذه الحملات إلى تفكيك هذا النسيج وإثارة الانقسامات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة.
ففي ظل هذه التحديات الكبيرة يبقى السؤال الأبرز: هل تخفي الحكومة الانتقالية وراء حملاتها التحريضية أكاذيب هدفها نشر نار الفتنة الطائفية وتدمير النسيج الاجتماعي في شمال وشرق سوريا، أم أنها تسعى لتمهيد الطريق لتغيير شامل في هوية ومستقبل المنطقة بأسرها…؟
