المأزق التاريخي لليسار التركي
ظلّ تعامل اليسار التركي مع المسألة الكردية محصوراً لسنواتٍ طويلة بين قطبين: إمّا اختزالُ المسألةِ إلى “تناقضٍ طبقيٍّ”، واعتبارُ المطالبِ القوميةِ ثانويةً بنظرةٍ طبقيّةٍ ضيّقة، أو إنكارُ التعدّدِ القوميّ بردودِ فعلٍ قوموية. هذا الاختزالُ تجاهلَ تموضعَ الهويّات المضطهدة كفاعل سياسي في مجتمع متعدد القوميات والمعتقدات والثقافات. النتيجة: لم يستطعِ اليسارُ توسيعَ قاعدته الاجتماعية، وأصبح عاجزاً سياسياً أمامَ المسألةِ التأسيسيةِ للتحوّلِ الديمقراطي.
مأزق اليسار القومي التقليدي: ميراث حزب العمال التركي TİP والاشتراكية الواقعية
التجلّي الأوضح لهذا المأزق هو “الخطُّ اليساريّ القوميّ” الذي يعرّف نفسَه كامتدادٍ لميراثِ الاشتراكيةِ المشيّدةِ او ما يُسمّى بالاشتراكية الواقعية، ويظهر اليوم في قوىً مثل حزب العمال التركي TIP، هذا الخط وعلى الرغم من ادعائِه وضعَ السياسةِ الطبقية في المركز، يبقي البنيةَ متعددةَ القومياتِ في تركيا والمطالبَ السياسيةَ للمذاهب والثقافات المختلفة خارجَ “التناقضِ الأساسِ”. القضيةُ الكردية، الهُوِيّةُ العلوية، حريةُ المعتقد.. تُعامَلُ كقضايا ثانوية تُلحَقُ بالمطالب الطبقية، لا كأولوياتٍ برامجية.
لكنّ النضالَ الطبقيَّ في تركيا لا يمكن فصلُه عن التفاوتاتِ القومية والثقافية. اليسار القومي التقليدي ينتقد الدولة من زاوية طبقية، لكنّه يتجنّب مساءلةَ شيفراتِها القومية، فيعيد بذلك إنتاجَ عقل الدولة الكمالية تجاه التعددية بشكلٍ غيرِ مباشر. هذا ليس عمىً إستراتيجياً فحسب، بل تناقض بنيوي يتعارض مع ادّعاء اليسار نفسِه. مثال TIP، يبيّن أنّ هذا الخطَّ محكوم بنفس المأزق في ظروف القرن الـ21، فممارسةُ سياسةٍ طبقيةٍ دون تمثيل قاعدة متعددة الثقافات غيرُ ممكنةٍ.
ديناميكيات القرن الـ21: الصعود العالمي والإقليمي للنزعة القومية
مع اكتساب مسألة الديمقراطية والحريات زخماً في القرن الـ21، تتصارع الانعكاساتُ القومية على السلطة بنفس السرعة على المستويين العالمي والإقليمي. أرضيتها التاريخية – الاجتماعية تُقرأ في ثلاثة عناوين:
- أزمة النيوليبرالية وأمننة السياسة: التفاوت الاقتصادي، القلق من التفكّك الثقافي، والبحث عن “الآخر” يوفّر أرضية جماهيرية للسياسة القومية.
- أزمة الشرعية الديمقراطية للنموذج الدولة الموحدة: المواطنة الأحادية في المجتمعات متعددة القوميات، إمّا تُهمّش الهويات المستبعدة، أو تدفعها إلى هويات مضادة راديكالية، وهذا يغذي الاستقطاب القومي.
- فراغ اليسار: صمت اليسار القومي التقليدي أو إنكارُه للتعددية الثقافية يسلّم المطالبَ الديمقراطية للقومية اليمينية، أو للسياسةِ العرقية. فكلّما ضحّى اليسار بالتعددية باسم “الوحدة القومية”، اكتسبت الانعكاساتُ القوميةُ شرعيةً.
في هذا السياق، الموجة القومية في تركيا هي نتيجة مباشرة لعجز اليسار عن حلّ مسألة التعددية. فكل سياسة يسارية تتجاهلُ المطالبَ الديمقراطية توسّعُ موضوعياً الأرضيةَ الاجتماعيةَ للسلطة القومية.
تغيير النموذج: “الأمة الديمقراطية”
نقطة الانكسار هي التخلّي عن صيغة “الدولة الموحدة والمواطنة العرقية”. مكانها يجب أنْ يأتيَ “نموذجُ الأمّة الديمقراطية”. هذا النموذج يعرِّف العيشَ المشترك، دون اختزاله لهويةٍ واحدة، عبر المساواة السياسية. الضمان الدستوري يتحقق بإعادة كتابة المواد الأربع الأولى بمضمون ديمقراطي. خصوصاً الإشارة العرقية في مادة المواطنة يجب استبدالها بتعريف المواطنة السياسية. المواطنة لا تُعرَّفُ برابطة الدم أو الثقافة، بل بعضويةٍ متساويةٍ في المجتمع السياسي المشترك.
البناء من المحلي: وحدات إدارية ذاتية الحكم
تعريف المواطنة السياسية يخرج الديمقراطية من كونها فرضاً من الأعلى ويبنيها من القاعدة المحلية. مقابلها المؤسساتي هو: “الوحداتُ الإداريةُ ذاتيةُ الحكم”: مجالسُ القرى والأحياء، مجالسُ المدن، وبلدياتٌ ذاتية لا تخضع لوصاية المركز. المبادرة يجب أنْ تكونَ محلية في المجالات المالية، والإدارية، والثقافية، والتعليمية، كلّها، لكي تستطيعَ الهويّاتُ والمعتقداتُ المختلفة التعبيرَ عن نفسِها بحريةٍ تحتَ ضمانٍ دستوريٍّ.
الخاتمة: إعادة بناء بنيوية
سبيل الدفاع عن الديمقراطية في القرن الـ21 يمرّ ببناء نموذج دولة تعددية في مواجهة الانعكاسات القومية. فالعتبةُ الأولى التي يجب على اليسار التركي تجاوزَها هي التخلّي عن خط اليسار القومي التقليدي، الذي يفصل الطبقة عن الواقع الثقافي والقومي. نقطة البداية هي تعريفُ المواطنة. فإذا تسيّستِ المواطنةُ، وتعزّز الحكمُ الذاتيُّ المحلّي، فإنّ الدفاعَ، والسياسةَ الخارجيةَ، والبنيةَ السياسية الداخلية، ستقوم أيضاً على هذه الأرضية الديمقراطية.
الكابت : أحمد حسن
