لم يعد مضيق هرمز مجرد عقدة جغرافية في الخليج، بل صار ساحةً تكشف ما إذا كانت واشنطن ما تزال قادرة على الإمساك بخيوط النظام الدولي، أم أن العالم يدخل بالفعل مرحلة إعادة توزيع القوة بعيداً عن قبضتها القديمة. فكل تهديد للممرات البحرية اليوم ليس حادثاً معزولاً، بل اختبار مباشر لنظرية القوة البحرية (Sea Power) للمؤرخ والضابط الأمريكي ألفريد ماهان (1840-1914)، الذي أكد على ركيزة جيوبوليتيكية مفادها أن السيطرة على البحار والمحيطات هي المفتاح لتحقيق الهيمنة العالمية والرخاء الاقتصادي. اليوم، تتعرض فكرة الهيمنة الأمريكية، من الخليج إلى بحر الصين الجنوبي، ومن هرمز إلى ملقا، إلى اختبار وتحدٍ، في اللحظة التي تتشكل فيها خرائط النفوذ الجديدة تحت ضغط النار والردع والممرات.
ما يجري اليوم في مضيق هرمز يتجاوز البعد العسكري المباشر، لأنه يضرب في قلب النظرية التي قامت عليها القوة الأميركية منذ عقود: السيطرة على البحار والمضائق باعتبارها الطريق الأقصر للسيادة العالمية. فإذا كانت الولايات المتحدة قد بنت تفوقها على القدرة في حماية التجارة الدولية وتأمين خطوط الطاقة والتحكم في نقاط الاختناق الإستراتيجية، فإن هرمز اليوم يتحول إلى سؤال قاسٍ: هل ما زالت هذه القدرة قائمة فعلاً، أم أن الردع الأمريكي يواجه حدوداً جديدة؟
إن جوهر التحدي هنا ليس إيران وحدها، بل الفكرة التي تقول إن النظام الدولي ما زال قابلاً للإدارة من المركز نفسه. فإيران، عبر الضغط على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، لا تختبر فقط أمن الخليج، بل تختبر مدى صلابة المعادلة التي ربطت بين القوة البحرية والهيمنة السياسية. وفي هذا المعنى، يصبح هرمز أكثر من مضيق، يصبح مرآةً لصدقية القوة الأمريكية في لحظة تاريخية دقيقة.
الأخطر أن ما يحدث في هرمز لا يقف عند الخليج العربي. فالعالم اليوم يعيش مرحلة انتقالية يتشكل فيها نظام دولي جديد، تتزاحم فيه القوى الكبرى على إعادة تعريف قواعد النفوذ، وحدود الردع، ومجالات السيطرة. ومن هنا، فإن ما يجري في هرمز يبعث برسالة أبعد من الإقليم: إذا كانت واشنطن عاجزة عن فرض الاستقرار في أحد أكثر الممرات حساسية، فكيف ستثبت قدرتها على قيادة نظام عالمي يتوسع فيه التحدي من كل الجهات؟ وهنا تظهر المقارنة مع مضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي، حيث يتكرر المنطق نفسه ولكن بأدوات مختلفة. ففي ملقا، تدور معركة النفوذ حول شريان التجارة الآسيوية، وفي بحر الصين الجنوبي، تتصاعد المنافسة على الممرات والجزر وخطوط السيطرة البحرية. هذه ليست جيوباً منفصلة من التوتر، بل حلقات في اختبار واحد: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تحافظ على منظومة الهيمنة البحرية التي صنعت بها النظام الدولي القديم، أم أن هذه المنظومة نفسها بدأت تتشقق تحت ضغط قوى صاعدة وتحديات متزامنة؟
لهذا، فإن ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة ملاحة، بل لحظة إعادة تعريف شاملة لمفهوم الردع العالمي. فإما أن تنجح واشنطن في إثبات أن حضورها البحري ما يزال قادراً على ضبط المضائق الكبرى، فتثبت أن النظام الدولي القديم ما زال قائماً، وإما أن تتكشف حدود قوتها، فتدخل البشرية مرحلة يكون فيها الأمن البحري نفسه موزعاً بين أكثر من مركز قوة، لا تملكه دولة واحدة ولا تضبطه إرادة واحدة.
بهذا المعنى، لا يقف هرمز وحده في الواجهة. إنه جزء من سلسلة تحديات مترابطة تمتد من الخليج إلى المحيط الهادئ، ومن ملقا إلى بحر الصين الجنوبي، وكلها تقول الشيء نفسه بصيغ مختلفة: النظام الدولي الجديد لا يُولد في قاعات التفاوض فقط، بل يُصاغ أيضاً في المضائق التي تُختبر فيها الهيمنة أو تتراجع.
المصدر : العرب اللندنية الكاتب : إسماعيل المنصوري
