بعد سقوط النظام السوري، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر عام 2024، تزاحمت الملفات الطارئة، على الأولوية في التعامل معها، من أجل أن تتعافى البلاد من أزمتها التي استمرت لأكثرَ من عقد، وكثيرٌ منها يدخل ضمن مهام الحكومة التي تُدير المرحلة الانتقالية للبلاد، إذ لا يمكن معالجة أحدها دون الآخر لترابطها وتشابكها وتوازيها في الأهمية، سواءٌ كان ملف المصالحة والمؤتمر الوطني الشامل أو ملف الإعلان الدستوري أو ملف العدالة الانتقالية، التي من شأنها أن تضعَ المهام المترتبة على الحكومة الانتقالية، في نِصابها الصحيح.
ومن المعروف أن تعافي أي دولةٍ يُقاس بالدرجة الأولى، بقدرتها على حماية وتعزيز أمن وكرامة مواطنيها، لذلك وفي حالةٍ مثل الأزمة السورية، التي خلّفت ما قدرُهُ 7,4 مليون نازحٍ داخلياً، وأكثرَ من 10ملايين لاجئٍ خارج الحدود السورية، فإن حق العودة يعدُّ أكثرَ الحقوق شرعية، لكنه يستوجب في الآن ذاته ضماناتِ الأمن والاستقرار، وتوافر شروطٍ اجتماعية وحقوقية واقتصادية مناسبة، حتى لا تتحول إلى شكلٍ آخرَ من التعقيد.
شهدت سوريا خلال أعوام الأزمة مناطقَ نفوذٍ كثيرة وتدخلاتٍ دوليةً وإقليمية، أبرزها ذلك الذي أثّر في ملف التهجير القسري، عبر التدخل التركي في سوريا واحتلال تركيا لمناطقِ عفرين وسري كانيه رأس العين، ذوات الغالبية الكردية لعدة سنوات، ترتّب عنها تهجيرٌ قسريٌّ لمئات آلاف السكان الأصليين من مناطقهم، ومصادرةٌ لممتلكاتهم وتدميرُ هوية المكان الثقافية، وارتكاب الانتهاكات بحق من مكث في منزله، بالإضافة إلى سياسة التتريك.
منطقة سري كانيه/ رأس العين شمال شرق سوريا، اكتسبت أهميةً عبر التاريخ السوري بفضل مواردها المائية وأراضيها الخصبة وموقعها الحدودي المميز للتجارة، وعاش فيها على مدارِ عقودٍ الكُرد والعرب والأرمن والسريان والشركس والشيشان، مقدمةً نموذجاً مصغراً عن التنوع السوري الثقافي الغني بهوياته.
إلى الآن ومنذ احتلال المنطقة من قبل الفصائل المسلحة التابعة لتركيا في 2019، يعيش المهجرون من أهالي سري كانيه/ رأس العين، في مخيمات واشو كاني وسري كانيه بمنطقة الحسكة، حيث يقاسون ظروفاً معيشيةً صعبة، ضمن خيامٍ لا تقي بردَ الشتاء ولا حر الصيف، وشهدت تلك المخيمات ظروفاً صحيةً صعبة، بسبب تفشي الأمراض، ونتيجة الظروف غير الملائمة للسكن، إذ اقتصر التمويل على ما كانت تقدمه مؤسسات الإدارة الذاتية هناك فقط.
أحد تحديات العودة بعد سقوط النظام هو عدم انتقالِ سيادة تلك المنطقة إلى سيطرة الحكومة الانتقالية، إذ تقول التقارير الحقوقية إنه وعلى الرغم من انسحاب بعض الفصائل المسلحة مثل ما يسمى بـ أحرار الشرقية وجيش الإسلام، من المنطقة التي أعادت تموضع صفوفها ضمن جيش وزارة الدفاع السوري، في إجراءٍ وُصف بالشكلي نتيجةَ بقاء تبعيتها للدولة التركية، إلان القواعد التركية لا تزال تتمركز هناك.
إلى جانب ذلك فإن التقارير الحقوقية، تشير إلى أن السكان الأصليين الذين أُجبروا على التهجير من رأس العين/سري كانيه، تم استبدالهم من قبل الفصائل التابعة لتركيا، بعوائلَ من الغوطة الشرقية وحمص ودير الزور ودرعا، مما تسبب بحدوث تغييرٍ ديمغرافي، وتضيف تلك التقارير أن البنيةَ التحتية هناك شبهُ مدمرة، وكاملُ المنطقة محاطٌ بالألغام.
رغم هذا الواقع المرير إلا أن مُهجّري رأس العين، ينتظرون بفارع الصبر العودةَ إلى مناطقهم، حيث سجلت أكثرُ من 14 ألفَ عائلةٍ أسمائها، ضمن قوائم الراغبين بالعودة بحسب لجنة مهجري سري كانيه، وذلك تنفيذاً للاتفاق الموقع بين الحكومة الانتقالية السورية وقوات سوريا الديمقراطية، في منتصف كانون الثاني/ يناير، الذي نصَّ في بنوده على تأمين العودة الآمنة والطوعية للمهجرين.
وفي العاشر من آذار/ مارس أُعيد فتح الطريق الدولي إم فور، الذي يربط بين الحسكة وحلب، وذلك بالتنسيق بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية الانتقالية، واُعتُبرت الخطوة مؤشراً مهماً نحو تهيئة الظروف لعودةٍ محتملةٍ للمهجرين.
وفي الحادي والعشرين من نيسان/ أبريل تم تشكيل لجنةٍ حكومية، بمشاركة محافظ الحسكة نور الدين أحمد، ناقشت ملفاتٍ أساسيةً تتعلق بالعودة الآمنة للمهجّرين، والعمل على توفير الخدمات الصحية والتعليمية وسُبل تأمين مصادر العيش.
أمّا عن مهجري عفرين، فقد تم فعلاً إرسالُ ثلاثِ قوافلَ من أهالي عفرين، الذين تعرضوا للتهجير القسري إلى تل رفعت والشهباء ومناطق الجزيرة، بسبب الاحتلال التركي في 2018، وعاشوا تغريبةً ثانية من الشهباء إلى مناطق الإدارة الذاتية، بعد سقوط النظام وتعرضهم للتهديد من قبل الفصائل التابعة للاحتلال، ليقاسوا خلالها تجربةَ عيشٍ أليمةً في المخيمات والمدارس والمرافق العامة، وسط شح مقومات العيش الكريم.
قبل الاحتلال التركي لعفرين شمال غرب سوريا، شكل الكُرد 98% من التركيبة السكانية الأصلية للمنطقة، لكن النسبة انخفضت بسبب التهجير القسري والانتهاكات، على يد فصائل الحمزات والعمشات التابعة للاحتلال التركي، إلى ما يُقدّر بـ25%، وشملت الانتهاكاتُ جرائمَ قتلٍ وخطف وتعذيب طالت النساء والشباب والشيوخ والأطفال، ولم تسلم طبيعةُ عفرين الخصبة من جرائمهم، إذ تم التعدي على مزارع الزيتون التي تشتهر بها عفرين.
تشير التقاريرُ الحقوقية إلى أن تركيا تعاملت مع عفرين، كولايةٍ تابعةٍ لسيادتها، فدمّرت آثار المكان وجرت سرقةُ أكثر من 28 مزاراً دينياً للمسلمين والإيزيديين، كما عملت على تتريك المؤسسات وأنشأت المستوطناتِ على حساب المساحات الزراعية.
منظماتٌ حقوقية سلّمت ملفات الانتهاكات إلى الجهات المعنية ووصفتها بجرائمِ حربٍ وجرائمَ ضد الإنسانية، واعتبرت المسؤولين عنها جُناةً بموجب بنود اتفاقيات جنيف لعام 1949، وقانون تأسيس المحكمة الجنائية 1998.
أما عن واقع العودة إلى عفرين، وبحسب الشهادات الميدانية، فإن تعويض الجهات المعنية للعوائل بمبلغٍ قدرُهُ /2000 / دولار، بدا ضئيلاً جداً أمام التحديات والصعوبات التي واجهت العائدين، حيث تعرضت غالبيةُ الأملاك للتدمير، أو تمت السيطرةُ عليها من قبل جهاتٍ أخرى، ما أجبر العديد منهم على بدء حياتهم من نقطة الصفر، إذ تواجه الغالبيةُ مطالبَ باهظةً من المستوطنين من أجل إخلاء أملاكهم، وتصل تلك المبالغ إلى عشرات آلاف الدولارات.
وأمام الواقع المعيشي القاسي وانعدام فرص العمل، فإن التحديات لا تقتصر على الجانب المادي وحسب، بل تمتد إلى مخاوفَ أمنيةٍ وإجراءاتٍ إداريةً تعسفية، بحق العائدين الذين يخضعون لإجراءاتٍ بيروقراطية طويلة، لا تُفرَض مثلُها على العوائل المستوطنة، مما يعرض السكان الأصليين للتمييز، فالعائدون يصفون التحديات على الأرض بالكبيرة، وسط استمرار النزاعات على الملكيات وغياب الاستقرار الأمني الكامل.
ويرى مراقبون أن نجاحَ أي عمليةِ عودةٍ مستدامة، يرتبط بشكلٍ مباشرٍ بتنفيذ التفاهمات والاتفاقيات المعلنة المتعلقة بملف المهجرين، خاصةً ما يتعلق بحماية المدنيين العائدين وضمان عدم التعرض لهم، وإعادة الممتلكات إلى أصحابها الأصليين، وإنهاء المظاهر المسلحة في الأحياء السكنية، واللجوء إلى تفعيل دور المؤسسات المدنية، لتشرف على ملف العودة وتضمن الرقابةَ الحقوقية المستقلة، حتى لا يخضع ملفُّ العودة للتسييس، ويعامل كملفٍّ حقوقي إنساني بالدرجة الأولى.
